كيف حولتنا الرأسمالية إلى آلات إنتاج؟ من آدم سميث إلى بيونغ تشول هان
في الماضي كان الناس يعتقدون ان المشكله
الكبرى هي ان الانسان يعمل تحت سلطه شخص
اخر وان الحريه تعني فقط التخلص من السيد
او من الحاكم او من صاحب العمل الذي يفرض
عليك الاوامر بالقوه ولذلك عندما ظهرت
الراسماليه الحديثه وعدت البشر بشيء يبدو
منطقيا جدا قالت لهم ان السوق الحر
سيحرركم وان المنافسه ستفتح الفرص للجميع
وان الاجتهاد سيكافا وان الانسان سيصبح ح
قادرا على اختيار مستقبله بنفسه وان
التكنولوجيا ستختصر ساعات العمل وان
الانتاجيه المرتفعه ستمنح الناس وقتا اكبر
للراحه والحياه والاسره وكان يبدو ان
البشريه تسير فعلا نحو هذا المستقبل لان
كل اختراع جديد كان يقلل الجهد الجسدي وكل
اله جديده كانت تنجز ما كان يحتاج الى
عشرات العمال وكل تطور تقني كان يوحي بان
الانسان سيعمل اقل ويعيش اكثر لكن انظر
الى الواقع اليوم ستجد شيئا معاكسا تماما
فالناس يعملون اكثر من اي وقت مضى يحملون
العمل معهم الى المنزل يجيبون على الرسائل
في منتصف الليل يفكرون في المشاريع اثناء
الاجازه يشعرون بالذنب اذا جلسوا بلا عمل
يراقبون انتاجيتهم بالدقيقه يقيسون حياتهم
بعدد الانجازات ويخافون باستمرار من ان
يتاخروا عن الاخرين حتى اصبحت الراحه
نفسها تحتاج الى تبرير فاذا سالت شخصا
لماذا لا ترتاح قليلا سيجيبك بانه لا
يستطيع ليس لان مديره منعه بل لانه يشعر
بانه يضيع فرصا يمكن ان يستغلها وهنا يبدا
السؤال الحقيقي اذا لم يعد احد يجبرنا على
العمل فمن الذي يفعل ذلك لماذا اصبح
الانسان الذي يعتقد انه حر اكثر تعبا من
العامل الذي كان يعيش تحت اوامر مباشره
لماذا ارتفعت معدلات الارهاق النفسي
والاكتئاب والاحتراق الوظيفي في اكثر
المجتمعات تقدما اقتصاديا ولماذا اصبح
النجاح نفسه مصدرا دائما للقلق بدل ان
يكون نهايه له؟ الفيلسوف الكوري الالماني
بيونغ تشول هان يبدا من هذه المفارقه
بالضبط فهو يقول اننا نرتكب خطا عندما
نعتقد ان السلطه تعمل دائما من الخارج لان
السلطه الحديثه اصبحت اكثر ذكاء لم تعد
تحتاج الى ان تضربك او تهددك او تمنعك بل
جعلتك تؤمن بان ما تفعله هو اختيارك
الشخصي ولهذا اصبحت اكثر طاعه من اي وقت
مضى لان الانسان يقاوم من يفرض عليه
الاوامر لكنه لا يقاوم الاوامر التي يظن
انها خرجت من داخله
ولهذا يكتب هان ان اختفاء السيطره
المباشره لا يعني ظهور الحريه بل قد يجعل
الحريه والقيد شيئا واحدا فيتحول الانسان
الى من يستغل نفسه بنفسه حتى الارهاق لكن
قبل ان نحكم على الراسماليه يجب ان نعود
الى بدايه تها لان كثيرا مما نراه اليوم
لا يشبه تماما ما كان يتحدث عنه ادم سميث
كثير من الناس يتعاملون مع سميث على انه
الاب الذي صنع كل ما نراه اليوم لكن قراءه
كتبه تكشف صوره اكثر تعقيدا بكثير فهو لم
يكن يدعو الى مجتمع يعمل فيه الناس بلا
توقف ولم يكن يرى الانسان مجرد اله انتاج
بل كان يحاول فهم كيف يمكن للاقتصاد ان
يزيد ثروه المجتمع دون ان ينهار النظام
الاخلاقي
الذي يحكم العلاقات بين البشر المشكله ان
الافكار لا تبقى ثابته فكل فكره تدخل
التاريخ تبدا في التغير والراسماليه ليست
استثناء فما بدا كنظام لتنظيم الانتاج
والتبادل تحول تدريجيا الى ثقافه كامله ثم
الى هويه ثم الى طريقه ينظر بها الانسان
الى نفسه حتى اصبح الفرد يقيس قيمته بعدد
الانجازات وعدد الساعات التي يعملها وعدد
المشاريع التي يديرها وعدد الاشخاص الذين
يتفوق عليهم لا لانه اجبر على ذلك بل لانه
اصبح مقتنعا ان هذه هي الطريقه الوحيده
ليكون انسانا ناجحا ولهذا فان السؤال الذي
سنحاول الاجابه عنه طوال هذا الفيديو ليس
هل الراسماليه جيده ام سيئه فهذا سؤال
بسيط اكثر من اللازم بل السؤال الاصعب هو
كيف تحول نظام اقتصادي الى قوه تعيد تشكيل
النفس البشريه نفسها وكيف اصبح الانسان
يتعامل مع نفسه كما تتعامل الشركه مع
موظفيها يراقب الاداء يرفع الاهداف
باستمرار يعاقب الفشل ويطالب بالمزيد دون
ان يعرف اصلا متى تنتهي هذه المطارده
اذا اردنا ان نفهم كيف وصلنا الى عالم
اصبح الانسان فيه يعمل طوال الوقت وكان
حياته مشروع لا ينتهي فلا يمكن ان نبدا
ببيونغ تشولهان مباشره بل يجب ان نعود
اكثر من قرنين الى الوراء الى الفيلسوف
والاقتصادي الاسكتلندي ادم سميث لان اسمه
يتكرر دائما كلما ذكرت الراسماليه حتى
اصبح كثير من الناس يعتقدون انه المسؤول
عن كل ما نراه اليوم سواء كانوا يدافعون
عن النظام الراسمالي او يهاجمونه لكن
المشكله ان معظم هؤلاء لم يقراوا سميث
اصلا بل يتعاملون مع صوره مختصره جدا
صنعها التاريخ صوره تقول ان الرجل كان
يؤمن بالسوق الحره فقط وبان الانسان اناني
بطبيعته وبان المال هو المحرك الوحيد
للمجتمع وهذه الصوره ليست دقيقه لانها
تحذف نصف افكاره تقريبا بل ربما النصف
الاكثر اهميه عندما كتب ادم سميث كتابه
الشهير ثروه الامم لم يكن يعيش في عالم
الشركات العملاقه ولا في عصر الانترنت ولا
في زمن الذكاء الاصطناعي بل كان يعيش في
بدايه الثوره الصناعيه في وقت بدات فيه
اوروبا
تكتشف ان الانتاج المنظم يمكن ان يضاعف
ثروه المجتمعات بطريقه لم تكن ممكنه من
قبل وكان السؤال الذي يشغل الجميع انذاك
بسيطا في ظاهره لكنه عميق في جوهره لماذا
تصبح بعض الدول غنيه بينما تبقى دول اخرى
فقيره ولماذا يستطيع مجتمع معين ان ينتج
ثروات هائله بينما يعجز مجتمع اخر عن
تحقيق الشيء نفسه رغم امتلاكه الموارد
نفسها تقريبا سميث لم يبحث عن الاجابه في
اخلاق الناس ولا في ذكائهم الفردي فقط بل
وجد ان السر يكمن في تنظيم العمل نفسه
ولهذا بدا كتابه بالمثال الشهير عن مصنع
الدبابيس حيث لاحظ ان العامل اذا حاول صنع
دبوس كامل وحده فلن ينتج الا عددا قليلا
جدا خلال اليوم اما اذا قسمت العمليه الى
مراحل صغيره واصبح كل عامل مسؤولا عن خطوه
واحده فقط فان الانتاج يقفز الى ارقام
هائله لا يمكن تصورها مقارنه بالعمل العمل
الفردي ومن هنا خرج بفكره تقسيم العمل
التي اصبحت فيما بعد واحده من اهم اسس
الاقتصاد الحديث في تلك اللحظه كان يبدو
ان الفكره عبقريه فعلا لان تقسيم العمل
يعني انتاجا اكبر والانتاج الاكبر يعني
اسعارا اقل والاسعار الاقل تعني قدره عدد
اكبر من الناس على شراء السلع وبالتالي
تتحسن حياه الجميع ولم يكن هذا مجرد تنظير
فلسفي بل كان شيئا يحدث بالفعل امام اعين
الناس فقد بدات المصانع تنتج بكميات ضخمه
وبدات التجاره تتوسع وبدات مستويات
المعيشه ترتفع مقارنه بما كان موجودا في
القرون السابقه ولذلك راى سميث ان السوق
اذا ترك يعمل بحريه مع وجود المنافسه فانه
يمتلك قدره كبيره على توزيع الموارد
بكفاءه دون الحاجه الى تدخل دائم من
الدوله لكن هنا يقع كثير من الناس في سوء
فهم كبير لانهم يتوقفون عند هذه النقطه
فقط بينما يتجاهلون ان ادم سميث كان
فيلسوفا اخلاقيا قبل ان يكون اقتصاديا بل
ان كتابه نظريه المشاعر الاخلاقيه صدر قبل
ثروه الامم وفيه يقدم تصورا مختلفا تماما
عن الانسان فهو لا يراه مجرد كائن يسعى
وراء المال بل يرى ان الانسان يحمل داخله
قدره على التعاطف وانه يحتاج الى احترام
الاخرين وتقديرهم وان المجتمع لا يستطيع
ان يستمر اذا تحولت المصلحه الشخصيه
الى انانيه مطلقه ولذلك فان السوق عند
سميث لم يكن منفصلا عن الاخلاق بل كان
يفترض وجود مجتمع يمتلك قيما اخلاقيه تضبط
السلوك الاقتصادي وهذه نقطه مهمه جدا لان
كثيرا من المدافعين عن الراسماليه اليوم
يستشهدون بادم سميث وكانه كان يقول ان
الجشع فضيله بينما الواقع ان سميث لم يقل
ذلك ابدا بل كان يعرف ان الطمع يمكن ان
يدمر المجتمع اذا ترك بلا حدود وكان يعرف
ان اصحاب المصالح قد يتامرون ضد
المستهلكين وان الاحتكار خطر وان رجال
الاعمال ليسوا دائما حماه للمصلحه العامه
ولهذا لم يكن يؤمنوا بسوق فوضوي بلا
قوانين بل بسوق يعمل داخل اطار قانوني
واخلاقي يحمي المنافسه ويمنع تحول القوه
الاقتصاديه الى سلطه مطلقه لكن التاريخ لا
يحافظ دائما على الافكار كما كتبها
اصحابها فبعد وفاه ادم سميث بسنوات طويله
بدات الراسماليه تتغير بسرعه هائله ومع كل
مرحله جديده كانت تاخذ جانبا من افكاره
وتترك جانبا اخرت فكره المنافسه لكنها
اهملت الاخلاق اخذت فكره الانتاج لكنها لم
تمنح الاهتمام نفسه للانسان اخذت فكره
زياده الثروه لكنها بدات تقيس كل شيء
بالارباح وحدها ومع مرور الوقت اصبح
النجاح الاقتصادي هو المعيار الوحيد
تقريبا للحكم على الافراد والشركات وحتى
الدول ثم جاءت الثوره الصناعيه الثانيه
وبعدها الشركات متعدده الجنسيات ثم
الاقتصاد المالي ثم الانترنت ثم الاقتصاد
الرقمي ومع كل مرحله اصبح الانسان اكثر
ارتباطا بالعمل لكن المفارقه ان هذا
الارتباط لم يعد يشبه ما كان في زمن
المصانع الاولى ففي الماضي كان العامل
يخرج من المصنع فينتهي يومه تقريبا اما
اليوم فقد خرج المصنع من مكانه ودخل دخل
الى جيبك اصبح الهاتف هو المصنع الجديد
والبريد الالكتروني هو صفاره بدايه العمل
والاشعارات هي المدير الذي لا ينام
والاجتماعات الافتراضيه الغت الحدود بين
المكتب والمنزل حتى اصبح الانسان يحمل
عمله معه اينما ذهب دون ان يشعر احيانا
انه ما زال يعمل ولو عاد ادم سميث الى
الحياه وراى هذا العالم فمن الصعب ان نجزم
بانه كان سيوافق عليه بالكامل لانه كان
يتحدث عن زياده الثروه من خلال تحسين
الانتاج لا عن تحويل الانسان نفسه الى
مورد يجب استغلاله بلا توقف ولم يكن يقترح
ان تصبح كل لحظه في حياه الفرد فرصه
لتحقيق دخل اضافي او ان تتحول الهوايات
الى مشاريع والصداقه الى شبكه علاقات
مهنيه والراحه الى وسيله لزياده الانتاجيه
لاحقا لان هذه الافكار لم تكن موجوده اصلا
في عصره
ميث قد حاول ان يشرح كيف تنتج المجتمعات
الثروه فان بيونغ تشول هان يحاول ان يشرح
كيف اصبحت هذه الثروه تعيد تشكيل الانسان
نفسه لان المشكله بالنسبه اليه لم تعد
اقتصاديه فقط بل اصبحت نفسيه وثقافيه
وفلسفيه في الوقت نفسه فهو لا يسال كم
ننتج ولا كم نربح بل يسال سؤالا اكثر
ازعاجا ماذا فعل بنا هذا النظام حتى
اصبحنا غير قادرين على التوقف عن العمل
حتى عندما لا يجبرنا احد على ذلك وكيف
تحول الانسان الذي كان يطالب بالحريه الى
شخص يستخدم هذه الحريه لكي يفرض على نفسه
ضغوطا ربما كانت اشد من الضغوط التي
فرضتها عليه السلطات القديمه لكي نفهم
فكره هان يجب اولا ان نفهم ان التاريخ لم
يعرف شكلا واحدا للسلطه ففي العصور
القديمه كانت السلطه واضحه ومباشره كان
هناك ملك يامر وجيش ينفذ وسجون تعاقب وكان
الانسان يعرف جيدا من الذي يفرض عليه
القيود ثم جاءت المجتمعات الحديثه التي
وصفها ميشيل فوكو حيث لم تعد السلطه تعتمد
فقط على القوه بل اصبحت تستخدم المدارس
والمستشفيات والمصانع والثكنات والسجون
لتشكيل الانسان بطريقه تجعله اكثر انضباطا
فالهدف لم يكن فقط معاقبه المخالف بل
صناعه فرد مطيع منذ البدايه يتعلم ان يحت
ترم الوقت وان يلتزم بالقوانين وان يراقب
نفسه حتى في غياب المراقب لكن بيونغ
تشولهان يرى ان العالم لم يبقى عند هذه
المرحله لان السلطه تعلمت شيئا جديدا
تعلمت ان الانسان اذا شعر بانه حر فسوف
يعمل اكثر مما لو اجبر بالقوه ولذلك لم
تعد السلطه تقول لك يجب ان تعمل بل اصبحت
تقول يمكنك ان تحقق احلامك ولم تعد تقول
اطع بل تقول طور نفسك ولم تعد تقول التزم
بل تقول كن افضل نسخه من نفسك وكل هذه
العبارات تبدو جميله ومليئه بالايجابيه
لكنها تخفي تحولا عميقا في طبيعه السيطره
في الماضي كان العامل يقف امام صاحب
المصنع وهو يعرف ان بينهما علاقه استغلال
واضحه وكان يستطيع ان يوجه غضبه نحو شخص
محدد اما اليوم فمن هو المسؤول عن ارهاقك
هل هو مديرك ربما لكن حتى لو اختفى المدير
سيبقى الضغط موجودا
لانك انت نفسك اصبحت المدير والموظف في
الوقت ذاته انت من يضع الاهداف وانت من
يلوم نفسه اذا لم يحققها وانت من يشعر
بالذنب اذا اخذ اجازه وانت من يقارن نفسه
بالاخرين طوال الوقت وهنا تصبح السيطره
اكثر قوه لانها لم تعد تاتي من الخارج بل
اصبحت تنبع من الداخل وهذه هي الفكره التي
يعتبرها هان اخطر ما انتجته الراسماليه
المعاصره فالانسان لم يعد مستغلا فقط بل
اصبح مستغلا لنفسه وهو يظن انه يمارس
حريته ولذلك فان مقاومه هذا النوع من
السيطره تصبح اصعب بكثير لان الانسان لا
يشعر اصلا بانه خاضع لسلطه بل يعتقد انه
يحقق ذاته بينما هو في الحقيقه يستهلك
نفسه تدريجيا انظر الى الخطاب المنتشر
اليوم في كل مكان ستجد عبارات مثل لا تضيع
دقيقه واحده استيقظ قبل الجميع اعمل بينما
الاخرون نائمون
اذا كنت ترتاح فهناك شخص اخر يتقدم عليك
النجاح يحتاج الى التضحيه النوم للاغبياء
الوقت هو المال حياتك مشروع نفسك شركه
استثمر في ذاتك طور مهاراتك باستمرار لا
تتوقف ابدا وهذه العبارات لا تقال
باعتبارها اوامر بل باعتبارها نصائح
للتحفيز ولذلك يقبلها الناس بسهوله بل
يعيدون نشرها ويشعرون بالفخر عندما
يطبقونها لكن لو تاملت هذه الرسائل ستكتشف
انها تحمل تحمل فكره واحده تتكرر باشكال
مختلفه وهي ان الانسان لا قيمه له الا اذا
كان ينتج وكان وجودك وحده لا يكفي وكان
الراحه ليست حقا بل مشكله يجب التخلص منها
وكان الجلوس مع العائله او قراءه كتاب بلا
هدف مهني او المشي بلا غايه او النوم
الكافي كلها اشياء تحتاج الى تبرير لانها
لا تحقق انتاجا مباشرا وهنا يبدا الانسان
في اعاده تعريف نفسه بطريقه خطيره جدا فهو
لم يعد يقول انا انسان اعمل بل اصبح يقول
انا عملي واذا سالته من انت فانه غالبا
سيجيبك بوظيفته او مشروعه او شركته او عدد
متابعيه او حجم انجازاته وكان هويته كلها
ذابت داخل انتاجيته فاذا فشل في العمل شعر
انه فشل كانسان واذا خسر مشروعا شعر ان
قيمته الشخصيه انهارت واذا توقف قليلا بدا
يشك في نفسه ليس لان احدا اتهمه بالكسل بل
لانه اصبح ينظر الى نفسه بعين النظام الذي
يعيش داخله ومن هنا يمكن فهم ظاهره
الاحتراق النفسي التي يتحدث عنها بيونغ
تشول هان باستمرار فالاحتراق ليس مجرد تعب
عادي وليس مجرد ضغط مؤقت بل هو نتيجه
طبيعيه لشخص يعيش سنوات طويله وهو يطالب
نفسه بالمزيد دون ان يسمح لها بالتوقف
وكلما وصل الى هدف وضع هدفا اكبر وكلما
حقق نجاحا شعر ان عليه ان يحقق نجاحا اخر
فلا توجد نقطه يشعر عندها بالاكتفاء لان
النظام نفسه قائم على فكره النمو المستمر
والشركه التي تتوقف عن النمو تعتبر فاشله
والفرد بدا يعامل نفسه بالطريقه نفسها
ولذلك نرى اليوم اشخاصا يمتلكون دخلا جيدا
ووظائف مستقره ووسائل راحه لم تكن موجوده
عند الاجيال السابقه ومع ذلك يشعرون
بارهاق دائم وفراغ داخلي لا يستطيعون
تفسيره لان المشكله ليست في كميه المال
فقط بل في ان حيا حياتهم اصبحت سلسله
متواصله من الاهداف التي لا تنتهي وكل هدف
يفتح بابا لهدف اخر حتى يتحول المستقبل
كله الى قائمه مهام بينما يختفي الحاضر
تدريجيا وهنا تظهر مفارقه لم يكن من السهل
تصورها قبل عقود وهي ان الحريه نفسها
اصبحت اداه للسيطره ففي الماضي كان
الانسان يحلم بان يختار عمله واليوم هو
يختار عمله بالفعل لكنه لا يستطيع ان
يختار التوقف عنه وكان يحلم بان يكون
مستقلا واليوم اصبح يعمل لحسابه الخاص او
يدير مشروعه لكنه يعمل ساعات اطول من
الموظف الذي كان يسخر منه وكان يحلم بان
يكون سيد نفسه لكنه اصبح يراقب نفسه بقسوه
اكبر مما كان يراقبه اي مدير
لكن اذا كان بيونغ تشول هان محقا واذا كنا
فعلا نعيش داخل مجتمع يدفع الانسان الى
استغلال نفسه بنفسه فان السؤال التالي
يصبح اكثر خطوره لماذا نقبل بذلك لماذا لا
يقرر الناس ببساطه ان يعملوا اقل وان
يرتاحوا اكثر وان يخرجوا من هذا السباق
اذا كان لا يوجد شرطي يقف خلف كل واحد منا
ولا مدير يراقب كل دقيقه من يومنا فلماذا
نستيقظ مبكرا لنفتح البريد الالكتروني قبل
حتى ان نشرب قهوتنا ولماذا نشعر بالتوتر
اذا ابتعدنا عن الهاتف لساعات قليله
ولماذا اصبح الفراغ نفسه يسبب القلق لكثير
من الناس بدل ان يمنحهم الراحه الاجابه
تبدا من نقطه لم تكن موجوده بهذه القوه في
اي عصر سابق وهي ان الراسماليه الحديثه لم
تعد تبيع المنتجات فقط بل اصبحت تبيع
الهويه ففي الماضي كنت تشتري شيئا لانك
تحتاج اليه اما اليوم فانت تشتريه لانه
يقول شيئا عنك فالسياره ليست مجرد وسيله
نقل بل صوره اجتماعيه
والهاتف ليس مجرد جهاز بل اعلان مستمر عن
مكانتك والملابس لم تعد مجرد حمايه للجسد
بل وسيله لصناعه شخصيه يمكن للاخرين ان
يروها وحتى الوظيفه لم تعد مجرد مصدر دخل
بل اصبحت بطاقه تعريف تقول للناس من انت
وما قيمتك وهنا يحدث تحول نفسي عميق جدا
لان الانسان يبدا في الاعتقاد ان قيمته
تاتي من الخارج من الاشياء التي يملكها
ومن المنصب الذي يشغله
ومن عدد الاشخاص الذين يعرفونه ومن حجم
الانجازات التي يستطيع عرضها امام الاخرين
ومع مرور الوقت يصبح من المستحيل تقريبا
ان يفصل بين شخصيته وبين نجاحه المهني
فاذا فقد العمل شعر وكانه فقد نفسه واذا
خسر مكانته الاجتماعيه شعر ان وجوده كله
اصبح مهددا ولذلك لا يعود يعمل فقط من اجل
المال بل يعمل من اجل الحفاظ على هويته
نفسها هذه الفكره ليست جديده بالكامل كامل
فقد تحدث عنها الفيلسوف الالماني هيل
بطريقه مختلفه عندما قال ان الانسان يحتاج
الى اعتراف الاخرين حتى يكتمل وعيه بنفسه
فالانسان لا يعيش معزولا بل يبحث دائما عن
التقدير والاحترام لكن ما حدث في المجتمع
الراسمالي الحديث هو ان الاعتراف نفسه
اصبح مرتبطا بالانتاج والنجاح فلم يعد
السؤال الذي يطرحه المجتمع هو هل انت شخص
صالح او حكيم او امين بل اصبح السؤال هو
ماذا حققت كم تكسب ما حجم شركتك كم عدد
متابعيك ما الذي انجزته هذا العام وكان
الانسان لا يستحق الاحترام الا اذا استطاع
ان يثبت باستمرار انه ينتج اكثر ومن هنا
بدات منصات التواصل الاجتماعي تلعب دورا
لم يكن موجودا من قبل فهي ليست مجرد ادوات
للتواصل كما يظن كثيرون بل اصبحت مصانع
ضخمه لانتاج المقارنه فانت لا ترى الحياه
كما هي بل ترى النسخه التي يريد الاخرون
عرضها
ترى النجاح ولا ترى الفشل ترى السفر ولا
ترى التعب ترى الارباح ولا ترى الديون ترى
الابتسامات ولا ترى القلق وترى المشاريع
الناجحه ولا ترى مئات المشاريع التي
انهارت قبلها ومع تكرار هذا المشهد يوما
بعد يوم يبدا العقل في تكوين انطباع كاذب
بان الجميع يتقدمون بينما انت وحدك متاخر
وهذه المقارنه لا تحتاج الى احد يجبرك
عليها فانت تدخل بنفسك وتقضي ساعات تراقب
حياه الاخرين ثم تخرج وانت تشعر بان حياتك
ناقصه فتقرر ان تعمل اكثر وان تتعلم اكثر
وان تنشر اكثر وان تثبت نفسك اكثر لا لان
احدا امرك بذلك بل لانك اصبحت تخوض معركه
لا تنتهي ضد صور مثاليه لا وجود لها في
الواقع ولهذا يرى بيونغ تشولهان ان
المجتمع الحديث لم يعد يعتمد على القمع
بقدر ما يعتمد على الاغراء وهذه نقطه
شديده الاهميه فالانظمه القديمه كانت تقول
للانسان لا اما النظام الحالي فيقول له
نعم تستطيع ان تصبح مليونيرا نعم تستطيع
ان تؤسس شركتك نعم تستطيع ان تحقق احلامك
نعم تستطيع ان تكون افضل من الجميع وكل
هذه الرسائل تبدو ايجابيه لكنها تخفي شيئا
اخر لانها تجعل اي فشل يبدو مسؤوليتك
الشخصيه بالكامل فاذا لم تنجح فالمشكله
ليست في النظام بل فيك انت لان النظام
اخبرك منذ البدايه ان كل شيء ممكن وهكذا
يتحول النجاح من احتمال الى واجب ومن فرصه
الى التزام ومن هدف شخصي الى معيار اخلاقي
ويبدا الناس في الحكم على انفسهم وعلى
غيرهم من خلال الانجاز فقط فاذا راوا شخصا
يعمل لساعات طويله وصفوه بالطموح واذا
راوا اخر يفضل حياه هادئه اتهموه بالكسل
او بقله الطموح وكان قيمه الانسان اصبحت
مرتبطه بكميه العمل الذي يستطيع تحمله لا
بنوع نوعيه الحياه التي يعيشها لكن الاخطر
من ذلك كله هو ان الانسان يبدا في اداره
نفسه كما لو كان شركه وهذه الفكره تتكرر
باستمرار في كتب التنميه الحديثه وفي
ثقافه رياده الاعمال حيث يقال لك ان عليك
ان تستثمر في نفسك وان تزيد قيمتك السوقيه
وان تطور علامتك الشخصيه وان تسوق لنفسك
باستمرار وان تعتبر كل مهاره تكتسبها
استثمارا وكل علاقه تبنيها شبكه مهنيه وكل
دقيقه تقضيها دون انتاج خساره يجب تعويضها
في البدايه قد يبدو هذا الكلام منطقيا لان
تطوير المهارات ليس شيئا سيئا في حد ذاته
لكن المشكله تظهر عندما تصبح هذه اللغه هي
الطريقه الوحيده التي يفكر بها الانسان في
نفسه فعندما يتحول الانسان الى مشروع
اقتصادي دائم فانه يبدا في تقييم كل شيء
بمنطق الربح والخساره حتى العلاقات
الانسانيه فيسال ماذا ساستفيد من هذه
الصداقه وهل هذا اللقاء مفيد لمسيرتي وهل
هذه الهوايه تضيف شيئا الى سيرتي الذاتيه
وهل هذه الاجازه ستزيد انتاجيتي لاحقا
وهنا يبدا شيء اساسي جدا في الاختفاء وهو
القدره على فعل الاشياء لانها تمنح الحياه
معنا لا لانها تحقق عائدا ولهذا ينتقد
بيونغ تشولهان الهوس الحديث بالانتاجيه
لانه يرى ان الانسان يحتاج الى لحظات لا
ينتج فيها شيئا على الاطلاق يحتاج الى
الصمت الى التامل الى القراءه بلا هدف
مهني الى الحديث مع الاصدقاء دون التفكير
في الفائده الى المشي دون ان يحسب عدد
الخطوات والى الجلوس مع نفسه دون ان يشعر
بانه يهدر وقته لان هذه اللحظات ليست عدوه
للحياه بل هي التي تجعل الحياه ممكنه اصلا
النجاح كلمه تبدو بسيطه جدا لكن اذا
تاملناها قليلا سنكتشف انها من اكثر
الكلمات التي تغير معناها عبر التاريخ قبل
قرون كان الانسان يعتبر نفسه ناجحا اذا
استطاع ان يوفر الطعام لعائلته وان يعيش
حياه مستقره وان يحظى باحترام مجتمعه لم
يكن النجاح مشروعا بلا نهايه ولم يكن
سباقا عالميا ولم يكن شيئا يقارن فيه
الانسان نفسه بملايين الاشخاص الذين لم
يقابلهم في حياته اما اليوم فقد قد اصبح
النجاح شيئا مختلفا تماما لانه لم يعد
يملك نقطه وصول واضحه بل اصبح هدفا يتحرك
كلما اقتربت منه وكانك تطارض افقا يبتعد
عنك كلما ظننت انك وصلت اليه وهنا يبدا
بيونغ تشوله هان في طرح احد اهم اسئلته
وهو سؤال يبدو بسيطا لكنه يكشف طبيعه
المجتمع كله لماذا لا يشعر الانسان الحديث
بالاكتفاء ابدا لماذا يستطيع شخص ان يضاعف
دخله عده مرات ثم يجد نفسه بعد اشهر يعود
الى الشعور نفسه بالنقص لماذا يستطيع رجل
اعمال ان يبني شركه ناجحه ثم يبدا مباشره
في التفكير في الشركه التاليه لماذا
يستطيع طالب ان يحصل على اعلى الدرجات
لكنه بدل ان يشعر بالراحه يبدا في القلق
من المرحله التاليه ولماذا يستطيع صانع
محتوى ان يحقق ملايين المشاهدات ثم يدخل
في حاله من التوتر لان الفيديو القادم قد
لا يحقق النتيجه نفسها
هذه الظاهره لا يمكن تفسيرها بالطموح وحده
لان الطموح في حد ذاته ليس مشكله بل هو
احد اسباب تقدم الانسان المشكله تبدا
عندما يتحول الطموح الى نظام مغلق لا يسمح
لك ابدا بالشعور بانك وصلت وهنا يصبح
النجاح وسيله لانتاج مزيد من النجاح لا
وسيله للعيش حياه افضل كل انجاز يتحول الى
معيار جديد وكل هدف يتحول الى الحد الادنى
المطلوب وما كان يبدو حلما قبل سنوات يصبح
بعد تحقيقه امرا عاديا لا يمنحك اي شعور
بالرضا هذه ليست مصادفه لان الاقتصاد
الحديث لا يستطيع ان يستمر اذا اكتفى
الناس بما لديهم تخيل للحظه ان اغلب البشر
استيقظوا صباحا وقالوا انما نملكه يكفينا
واننا لا نريد شراء المزيد ولا نريد العمل
ساعات اضافيه ولا نريد ملاحقه مناصب اعلى
باستمرار ماذا سيحدث ستتباطا الاسواق
وستنخفض معدلات الاستهلاك وسيتراجع النمو
الاقتصادي ولذلك فان المجتمع الحديث يحتاج
الى انتاج رغبات جديده باستمرار لان
الرغبه هي الوقود الحقيقي الذي يحرك
الاقتصاد ولهذا لا يبيعك السوق المنتجات
فقط بل يبيعك شعورا دائما بانك ناقص وان
هناك نسخه افضل منك لم تصل اليها بعد
السياره التي اشتريتها قبل عام اصبحت
قديمه والهاتف الذي كنت تفتخر به اصبح اقل
تطورا والبيت الذي كنت تحلم به اصبح صغيرا
مقارنه بما تراه كل يوم وحتى جسدك لم يعد
كافيا لان هناك دائما شكلا افضل وقوه اكبر
وصحه اكثر وانتاجيه اعلى ودخلا ومهارات
جديده يجب ان تتعلمها وهكذا يدخل الانسان
في دائره لا تنتهي لانه لم يعد يستهلك
الاشياء بسبب حاجته اليها بل بسبب حاجته
الى الشعور بانه يتقدم لكنه يكتشف بعد كل
عمليه شراء وبعد كل ترقيه وبعد كل نجاح ان
الشعور الذي كان ينتظره لا يدوم الا لفتره
قصيره جدا ثم يعود الفراغ مره اخرى فيبدا
البحث عن هدف جديد وهذه هي الاليه التي
تجعل الانسان يظل يعمل دون توقف لانه يربط
راحته النفسيه بشيء يتغير باستمرار
الفيلسوف الالماني ايريك فروم تنبه الى
جانب قريب من هذه الفكره عندما فرق بين
نمطين للحياه نمط يقوم على الامتلاك ونمط
يقوم على الوجود
في نمط الامتلاك يصبح الانسان يعرف نفسه
بما يملك بما يجمع بما يحقق بينما في نمط
الوجود تصبح القيمه مرتبطه بطريقه العيش
نفسها بالعلاقات وبالمعرفه وبالخبره
الانسانيه لكن المجتمع الحديث كما يرى
فروم يدفع الانسان باستمرار نحو النمط
الاول حتى يصبح وجوده كله قائما على
التراكم وكان حياته حساب مصرفي يجب ان
تزيد ارقامه كل يوم وبيونغ تشول هان يذهب
يذهب ابعد من ذلك لانه يرى ان الانسان لم
يعد يجمع الاشياء فقط بل اصبح يجمع
الانجازات ايضا فهو يجمع الشهادات
والدورات والمتابعين والمشاريع والخبرات
والانجازات حتى لو لم يعد يعرف لماذا
يجمعها المهم ان يبقى في حاله حركه دائمه
لان التوقف اصبح مرادفا للفشل ولو تاملت
لغه العصر ستلاحظ ان الكلمات نفسها تغيرت
لم يعد يقال ان الانسان يعيش بل يقال انه
يبني مسيرته
لم يعد يقال انه يتعلم بل يقال انه يطور
نفسه لم يعد يقال انه يرتاح بل يقال انه
يعيد شحن طاقته ليعود الى العمل حتى النوم
اصبح يناقش باعتباره وسيله لزياده
الانتاجيه لا باعتباره حاجه انسانيه
طبيعيه وحتى الرياضه التي كانت بالنسبه
لكثير من الناس مصدرا للصحه او المتعه
اصبحت عند اخرين مجرد وسيله لتحسين الاداء
في العمل او لزياده الانضباط وهنا نصل الى
واحده من اخطر النتائج التي يتحدث عنها
هان وهي ان الانسان يفقد القدره على
التمييز بين ما يريده فعلا وما زرع داخله
ليعتقد انه يريده فهل تريد فعلا ان تعمل
14 ساعه يوميا ام انك تعلمت ان الشخص
الناجح يفعل ذلك هل تريد فعلا ان تظل
متصلا بالانترنت طوال الوقت ام انك تخاف
ان يفوتك شيء هل تريد فعلا ان تكون دائما
افضل من الاخرين ام انك اصبحت تقيس نفسك
بالمقارنه المستمره لان المجتمع اقنعك ان
هذه هي الطريقه الطبيعيه للحياه كلما
اختفت هذه الاسئله اصبح الانسان اكثر
قابليه لان يعيش داخل برنامج لم يكتبه
بنفسه يعتقد انه يختار لكنه في الحقيقه
يتحرك داخل معايير صاغها المجتمع والسوق
والثقافه المحيطه به وهذا ما يجعل الحريه
الحديثه معقده جدا لان القيود لم تعد
واضحه ولم تعد تاتي على شكل اوامر مباشره
بل جاءت في صوره احلام ولهذا يقول هان ان
اخطر انواع السلطه ليست السلطه التي تمنعك
بل السلطه التي تدفعك الى ان تريد ما
يخدمها هي فعندما يصبح حلمك الشخصي مطابقا
تماما لما يحتاجه النظام الاقتصادي فان
السيطره تصل الى اعلى درجاتها لانك لن
تشعر ابدا انك مكره بل ستعتقد انك تحقق
ذاتك بينما انت تعزز النظام نفسه الذي
يستنزفك.
عندما يصل النقاش الى هذه المرحله يظهر
اعتراض يتكرر دائما وهو ان الراسماليه رغم
كل عيوبها ما زالت افضل نظام عرفه التاريخ
في انتاج الثروه وتحسين مستوى المعيشه
وهذا الاعتراض ليس سهلا ولا يمكن تجاهله
لان الوقائع التاريخيه تدعم جزءا كبيرا
منه فمنذ بدايه الثوره الصناعيه ارتفع
متوسط العمر وانخفضت معدلات الفقر المدقع
في اجزاء كثيره كثيره من العالم وتقدمت
العلوم وتطورت وسائل النقل والاتصال واصبح
الوصول الى المعرفه اسهل من اي وقت مضى
وكل ذلك ارتبط بدرجات مختلفه بالنظام
الراسمالي والاقتصاد القائم على السوق
لذلك فان اختزال الراسماليه في صوره الشر
المطلق سيكون قراءه سطحيه لا تساعد على
فهم الواقع لكن بيونغ تشوله هان لا يناقش
الراسماليه من زاويه كميه الثروه التي
تنتجها بل من زاويه الانسان الذي تخلقه
فهو لا يسال فقط كم اصبحنا نملك بل يسال
ماذا اصبحنا لان المجتمع قد يصبح اكثر
ثراء وفي الوقت نفسه يصبح افراده اكثر
قلقا واكثر عزله واكثر شعورا بالفراغ وهنا
يطرح سؤالا فلسفيا قديما عاد اليوم بقوه
وهو هل يمكن قياس جوده الحياه بما ننتجه
فقط ام ان هناك اشياء لا يمكن تحويلها الى
ارقام مهما بلغت اهميتها اذا تاملت الحياه
اليوميه ستجد تجد ان اغلب الاشياء التي
تمنح الانسان معنى لا يمكن قياسها
اقتصاديا لا توجد معادله تحسب قيمه صديق
حقيقي ولا جدول مالي يستطيع ان يقيس اثر
جلسه هادئه مع العائله ولا مؤشر في
البورصه يعبر عن راحه الضمير ولا تقرير
انتاجيه يحدد قيمه ساعه قضاها الانسان في
التامل او القراءه او اللعب مع اطفاله ومع
ذلك فان هذه اللحظات هي التي تجعل الحياه
قابله للعيش لكن المجتمع مع الحديث لا
يمنحها الوزن نفسه لانها لا تضيف مباشره
الى الناتج المحلي ولا ترفع مؤشرات الاداء
ولا تحقق ارباحا يمكن عرضها في تقرير سنوي
ومن هنا يبدا الاختلال الحقيقي فحين تصبح
الاشياء القابله للقياس هي الوحيده التي
نعطيها قيمه فان كل ما لا يمكن قياسه يبدا
في الاختفاء تدريجيا ومع مرور الوقت يصبح
الانسان نفسه ينظر الى حياته بهذه الطريقه
فيسال كم انجزت هذا الاسبوع وكم ربحت هذا
الشهر وكم حققت هذا العام لكنه نادرا ما
يسال هل اصبحت اكثر حكمه او هل تحسنت
علاقتي باهلي او هل اشعر فعلا ان لحياتي
معنى اعمق من مجرد الانجاز المستمر
الفيلسوف اليوناني ارسطو كان يميز بين
الوسائل والغايات فالمال بالنسبه اليه
وسيله وليس غايه في ذاته والعمل وسيله
وليس غايه في ذاته وحتى السياسه عنده كانت
وسيله لتحقيق الحياه الجيده لا هدفا
مستقلا لكنه كان يحذر من لحظه خطيره جدا
وهي اللحظه التي تتحول فيها الوسيله الى
غايه لان الانسان عندها ينسى اصلا لماذا
بدا الطريق وهذا بالضبط ما يخشى بيونغ
تشوله هان انه حدث في المجتمع الحديث
فالعمل بدا كوسيله للحصول على حياه مستقره
ثم تحول الى مركز الحياه نفسها والنجاح
بدا كاداه لتحقيق الحريه ثم اصبح معيارا
يحدد قيمه الانسان والمال بدا كوسيط
للتبادل ثم اصبح مقياسا لكل شيء تقريبا
وعندما يحدث هذا الانقلاب تبدا الوسائل
بابتلاع الغايات ولذلك فان كثيرا من الناس
يعيشون اليوم مفارقه غريبه انهم يعملون
طوال حياتهم من اجل ان يصلوا الى مرحله
يستطيعون فيها اخيرا ان يعيشوا لكن عندما
يصلون اليها يكتشفون انهم لم يعودوا
يعرفون كيف يعيشون اصلا لقد اعتادوا على
الجري المستمر الى درجه ان التوقف اصبح
يسبب لهم القلق واذا حصل احدهم على اجازه
طويله فانه بعد ايام قليله يبدا في البحث
عن شيء يشغله ليس لانه يحتاج الى العمل بل
لانه فقد القدره على السكون هذه الفكره
تفسر ايضا لماذا اصبح الملل مشكله ضخمه في
العصر الحديث فالانسان القديم كان يخشى
الفراغ لانه يهدد بقاءه اما الانسان
الحديث فيخشاه لانه يجبره على مواجهه نفسه
فعندما يتوقف كل شيء وعندما يغيب الهاتف
والعمل والاجتماعات والاشعارات يكتشف كثير
من الناس انهم لا يعرفون ماذا يفعلون مع
ذواتهم لقد اصبحوا بارعين في اداره
المشاريع لكنهم لم يعودوا بارعين في العيش
ولهذا ينتقد هان ثقافه الانشغال الدائم
فالانشغال في حد ذاته لا يعني ان الحياه
مليئه بالمعنى قد يكون مجرد وسيله للهروب
من الاسئله التي لا نريد مواجهه تها لماذا
اعمل كل هذا ماذا اريد فعلا هل الاهداف
التي اطارضها اختارتها انا ام اختارها
المجتمع نيابه عني وهل ساكون الشخص نفسه
لو اختفت المقارنات الاجتماعيه ولو لم يعد
احد يراقب نجاحي او فشلي هذه الاسئله تزعج
الانسان الحديث لانها تكشف ان كثيرا من
رغباته ليست رغباته الاصليه بل رغبات
تعلمها من البيئه المحيطه به فهو يرى شخصا
ناجحا فيريد ان يصبح مثله
ثم يرى شخصا اكثر نجاحا فيغير هدفه ثم
يظهر نموذج جديد فيبدا في تقليده ايضا
وهكذا تتحول حياته الى سلسله من الرغبات
المستعاره التي لا تنتهي لكن هنا يجب ان
نتوقف عند نقطه مهمه حتى لا نسقط في تبسيط
اخر فالمشكله ليست في النجاح وليست في
الشركات وليست في التكنولوجيا وليست حتى
في الراسماليه وحدها المشكله تبدا عندما
يفقد الانسان القدره على وضع حدود
لان اي نظام اقتصادي مهما كان اسمه يستطيع
ان يتحول الى شيء يلتهم الانسان اذا اصبحت
كل جوانب الحياه خاضعه لمنطقه ولهذا فان
السؤال الحقيقي ليس كيف نهرب من
الراسماليه بل كيف نمنعها من احتلال كل
مساحه في حياتنا كيف نعيد وضع العمل في
مكانه الطبيعي بوصفه جزءا من الحياه لا
الحياه كلها كيف نستفيد من السوق دون ان
نسمح له بان يحدد قيمتنا كيف نستخدم تخدم
التكنولوجيا دون ان تتحول الى اداه تجعلنا
متصلين بالعمل 24 ساعه وكيف ننجح دون ان
نصبح عبيدا لصوره النجاح نفسها
بعد كل هذا النقد قد يظن البعض ان الحل
بسيط وهو ان نرفض الراسماليه بالكامل او
ان نتوقف عن العمل او ان ننسحب من المجتمع
ونعيش حياه هادئه بعيده عن المنافسه
والاسواق
لكن هذا التصور لا ينسجم مع الواقع ولا مع
ما يقوله بيونغ تشوله هان نفسه فالرجل لا
يقدم مشروعا اقتصاديا بديلا ولا يدعو الى
الغاء السوق ولا يكتب بيانا سياسيا ضد
الشركات بل يحاول ان يلفت الانتباه الى
شيء اعمق بكثير وهو ان الانسان بدا يفقد
القدره على التمييز بين ما يحتاج اليه
فعلا وما يفرضه عليه منطق الانجاز المستمر
ولهذا فان السؤال لا ينبغي غي ان يكون كيف
نهدم النظام بل كيف نستعيد المسافه التي
تسمح لنا بالنظر اليه بدل ان نذوب داخله
لان اخطر ما يمكن ان يحدث ليس ان يعيش
الانسان داخل نظام اقتصادي معين بل ان
يتوقف عن ادراك ان هذا النظام يؤثر في
طريقه تفكيره وفي نظرته الى نفسه عندما
يختفي هذا الوعي يصبح الانسان مقتنعا ان
ما يعيشه طبيعي بالكامل وان كل ما يشعر به
من تعب او قلق او خوف من الفشل هو مجرد
مشكله شخصيه بينما قد يكون جزءا من بنيه
اجتماعيه اوسع بكثير خذ مثالا بسيطا اذا
استيقظ شخص كل صباح وهو يشعر بانه لا يفعل
ما يكفي رغم انه يعمل عر ساعات يوميا فقد
يعتقد ان المشكله في شخصيته وانه كسول او
غير منظم ثم يشتري كتبا عن الانتاجيه
ويحمل تطبيقات لاداره الوقت ويتابع عشرات
المحاضرات عن النجاح ويحاول ان يضغط يومه
اكثر واكثر لكنه بعد اشهر
يكتشف انه ما زال يشعر بالنقص نفسه لماذا؟
لان المشكله لم تكن في عدد الساعات بل في
الفكره التي زرعت داخله منذ البدايه وهي
ان قيمته الانسانيه مرتبطه دائما بما
ينجزه وهنا يظهر احد اخطر التحولات في
المجتمع الحديث وهو ان الانسان اصبح
يتعامل مع نفسه كما تتعامل الشركات مع
موظفيها فالشركه تضع اهدافا ربع سنويه
وتقيس الاداء باستمرار وتطلب تحسين
النتائج كل عام وتعتبر ان التوقف عن النمو
بدايه للتراجع هذا المنطق مفهوم عندما
نتحدث عن مؤسسه اقتصاديه لكن المشكله تبدا
عندما ينقل الانسان هذا المنطق الى حياته
الشخصيه فيبدا في اداره نفسه بالطريقه
نفسها فيصبح كل يوم عباره عن مؤشرات اداء
وعدد المهام المنجزه وعدد الصفحات
المقروءه وعدد السعرات المحروقه وعدد
الدورات التعليميه وعدد ساعات العمل وعدد
المشاريع المستقبليه
وحتى عندما يحقق هذه الاهداف لا يسمح
لنفسه بالرضا لان الهدف التالي ينتظره
بالفعل وكان حياته تحولت الى اجتماع اداري
لا ينتهي وهو المدير والموظف والمحاسب في
الوقت نفسه المفارقه ان كثيرا من الناس
يعتقدون ان هذه الطريقه تمنحهم السيطره
على حياتهم بينما هي في الحقيقه تجعلهم
يعيشون في حاله مراقبه مستمره لانفسهم
فبدل ان تاتي السلطه من الخارج
اصبحت داخل العقل نفسه لم يعد احد يحتاج
الى ان يقول لك اعمل اكثر لانك اصبحت
تقولها لنفسك قبل ان يقولها اي شخص اخر
ولهذا فان بيونغ تشول هانيولي اهميه كبيره
لفكره التامل وليس المقصود بها ممارسه
روحيه معينه بل القدره على التوقف وعلى
النظر الى الحياه دون ان يكون الهدف هو
تحقيق شيء مباشر لان الانسان الذي لا
يستطيع الجلوس مع نفسه دون هاتف او دون او
دون تشتيت مستمر يفقد تدريجيا القدره على
التفكير الحر يصبح رد فعله دائما اسرع من
تامله ويصبح استهلاكه للمعلومات اكبر
بكثير من قدرته على فهمها ولهذا ايضا
ينتقد هاني السرعه التي يعيش بها العالم
المعاصر فنحن نقرا بسرعه ونتحدث بسرعه
ونعمل بسرعه وننتقل من فكره الى اخرى
بسرعه حتى اصبحت السرعه قيمه في حد ذاتها
وكان البطء علامه على الفشل لكن الفلسفه
والعلم والابداع وحتى العلاقات الانسانيه
العميقه كلها تحتاج الى وقت لا يمكن تكوين
صداقه حقيقيه في ثوان ولا يمكن فهم كتاب
فلسفي من خلال ملخص مدته دقيقه واحده ولا
يمكن بناء شخصيه ناضجه عبر محتوى سريع
يختفي بعد ثوان وهنا نستطيع ان نربط هذه
الفكره بادم سميث مره اخرى بطريقه مختلفه
فقد كان سميث يؤمن بان السوق يعمل بكفاءه
عندما توجد منافسه حقيقيه
لكن حتى هو لم يقل ان كل شيء يجب ان يخضع
لمنطق السوق لم يقل ان الصداقه يجب ان
تصبح صفقه او ان الاسره يجب ان تعمل بمنطق
الربح والخساره او ان الانسان يجب ان يقيس
قيمته بحجم انتاجه هذه هي الاضافه التي
حدثت لاحقا عندما خرج منطق الاقتصاد من
حدوده الطبيعيه وبدا يحتل مجالات لم يكن
ينتمي اليها اصلا وهذا ما يجعل نقد بيونغ
تشولهان مختلفا عن كثير من الانتقادات
التقليديه للراسماليه فهو لا يقول ان
الشركات شريره بطبيعتها ولا ان النجاح خطا
ولا ان المال مشكله في ذاته بل يقول ان
الخطر يبدا عندما تصبح اللغه الاقتصاديه
هي اللغه الوحيده التي نفهم بها العالم
عندما يصبح كل شيء استثمارا وكل علاقه
مشروعا وكل وقت يجب استغلاله وكل لحظه
راحه خساره محتمله فان الانسان يفقد شيئا
لا يمكن تعويضه بسهوله وهو القدره على ان
يكون انسانا قبل ان يكون منتجا ولو نظرنا
الى المجتمعات اليوم سنجد ان كثيرا من
الازمات النفسيه لا ترتبط بالفقر وحده بل
تظهر ايضا عند اشخاص حققوا نجاحا كبيرا
وهذا يفسر لماذا نسمع باستمرار عن رجال
اعمال يملكون ثروات ضخمه لكنهم يعانون من
الاحتراق النفسي او عن مشاهير لديهم
ملايين المتابعين لكنهم يعيشون في عزله او
عن موظفين وصلوا الى اعلى المناصب ثم
اكتشفوا انهم لم يعودوا يعرفون لماذا
بداوا اصلا وهذا لا يعني ان المال بلا
قيمه او ان النجاح لا اهميه له بل يعني ان
الانسان يرتكب خطا عندما يجعل هذه الاشياء
اساس هويته لان كل شيء يمكن ان يضيع قد
تخسر عملك او شركتك او شهرتك او دخلك فاذا
كانت هويتك كلها مبنيه على هذه الاشياء
فسوف تشعر ان وجودك نفسه انهار معها اما
اذا كانت هذه الاشياء جزءا من حياتك وليست
تعريفا كاملا لها فان خسارتها ستكون مؤلمه
لكنها لن تمحو شخصيتك
في نهايه هذا النقاش قد يبدو ان الصوره
قاتمه وكان الانسان محكوم عليه ان يبقى
داخل هذا السباق الى الابد لكن هذه ليست
النتيجه التي يقودنا اليها الفلاسفه الذين
ناقشناهم فالفلسفه لا تخبر الانسان ان
الواقع لا يمكن تغييره بل تحاول اولا ان
تجعله يرى الواقع كما هو لان المشكله
الكبرى ليست في وجود نظام اقتصادي معين بل
في ان يعيش الانسان داخله دون ان يدرك كيف
يعيد هذا النظام تشكيل افكاره ورغباته
وسلوكه اليومي وما ان يبدا هذا الادراك
حتى تظهر امكانيه الاختيار من جديد ربما
تكون اهم فكره خرجنا بها من ادم سميث هي
ان الاقتصاد وسيله لتنظيم حياه الناس
وتحسين معيشتهم وليس غايه مستقله عن
الانسان فالثروه عند سميث كانت اداه لرفع
مستوى المجتمع ولم يكن يقصد ان تصبح
الانسان نفسه مجرد مورد اقتصادي اما بيونغ
تشولهان فيذكرنا بان هذه العلاقه انقلبت
في كثير من الاحيان فاصبح الانسان يخدم
النمو الاقتصادي بدل ان يخدم الاقتصاد
الانسان واصبحت قيمه الفرد تقاس بما ينتجه
لا بما هو عليه وبما يحققه لا بما يفكر
فيه وبسرعته لا بعمق فهمه ولو تاملت حياتك
اليوميه بعد هذا الفيديو فقد تلاحظ اشياء
لم تكن تراها من قبل قد تلاحظ ان اول ما
تفعله بعد الاستيقاظ هو النظر الى الهاتف
قبل ان تنظر الى نفسك قد تلاحظ ان يومك
مليء بالمهام لكنه فقير في اللحظات التي
تعيشها بوعي حقيقي قد تلاحظ انك اصبحت
تشعر بالذنب عندما ترتاح وكان الراحه
تحتاج الى تبرير بينما الارهاق اصبح اصبح
دليلا على الجديه وقد تلاحظ ايضا ان كثيرا
من القرارات التي كنت تعتقد انها شخصيه
تماما كانت في الحقيقه استجابه لتوقعات
المجتمع اكثر مما كانت تعبيرا عن رغباتك
الحقيقيه وهنا تظهر اهميه السؤال الذي
نادرا ما نطرحه على انفسنا لماذا اريد
النجاح قد يبدو السؤال بسيطا لكن الاجابه
عنه ليست كذلك هل اريد النجاح لانه يمنحني
حريه اكبر ام لانني اخاف ان ابد وفاشلا
امام الاخرين هل اعمل لان عملي يمنح حياتي
معنى ام لانني لا اعرف كيف اعيش اذا توقفت
عن العمل هل اطارض اهدافي لانها اهدافي
فعلا ام لانها اصبحت جزءا من الصوره التي
يتوقعها المجتمع مني هذه الاسئله لا تدعوك
الى رفض النجاح بل الى اعاده تعريفه لان
النجاح الذي يعتمد بالكامل على اعتراف
الاخرين سيبقى هشا مهما كبر اما النجاح
الذي يرتبط بما تراه انت حياه جيده فسيكون
اكثر استقرارا حتى لو لم يحقق الاعجاب
نفسه ولهذا فان المشكله ليست في ان تصبح
ناجحا بل في ان تجعل نجاحك هو المصدر
الوحيد لقيمتك الانسانيه لقد تحدث
الفيلسوف ايمانويل كانت قبل قرون عن فكره
ما تزال تحمل قيمه كبيره حتى اليوم وهي ان
الانسان يجب ان يعامل دائما كغايه في ذاته
لا كوسيله فقط هذه الجمله تبدو اخلاقيه في
ظاهرها لكنها تحمل نقدا عميقا لعالمنا
المعاصر فاذا اصبحت تنظر الى نفسك فقط
بوصفك وسيله للانتاج او وسيله لزياده
الارباح او وسيله لتحقيق اهداف لا تنتهي
فانت تبدا تدريجيا في معامله نفسك
بالطريقه التي حذر منها كانت اي كاداه لا
كانسان ولهذا فان الحريه الحقيقيه لا تبدا
عندما تستطيع ان تعمل دون قيود فقط بل
عندما تستطيع ايضا ان تتوقف دون ان تشعر
بالذنب الحريه ليست ان يكون جدولك ممتلئا
دائما بل ان يكون لديك الحق في اختيار ما
يستحق وقتك وما لا يستحقه الحريه ليست ان
تحقق اكبر عدد من الانجازات بل ان تكون
قادرا على رفض الانجازات التي لا تضيف
شيئا الى حياتك حتى لو كانت تمنحك مكانه
اجتماعيه اكبر وربما لهذا السبب كان
الفلاسفه عبر التاريخ يمنحون قيمه كبيره
للتامل وللوحده احيانا وللقراءه البطيئه
وللصمت لانها لحظات يتوقف فيها الانسان عن
الاستجابه المستمره لمطالب العالم الخارجي
ويبدا في سماع الاسئله التي حاول تاجيلها
طويلا فمن دون هذه المسافه يتحول الانسان
الى رد فعل دائم يعيش وفق الايقاع الذي
يفرضه السوق لا وفق الايقاع الذي يناسب
حياته هو ولا يعني ذلك ان تتخلى عن الطموح
او ان ترفض بناء مشروع او ان تتوقف عن
تطوير نفسك بل يعني ان تظل انت من يقود
هذه الاشياء لا ان تقودك هي فالعمل يصبح
نعمه عندما يخدم حياتك لكنه يتحول الى عبء
عندما تصبح حياتك كلها خادمه له والمال
يصبح وسيله عظيمه عندما يوسع خياراتك لكنه
يتحول الى قيد عندما تصبح كل قراراتك
خاضعه له والنجاح يصبح انجازا حقيقيا
عندما يمنحك حريه اكبر لكنه يتحول الى
عبوديه جديده عندما يجعلك تخاف من التوقف
لحظه واحده ولو جمعنا ادم سميث وبيونغ
تشول هان في حوار واحد فمن المحتمل ان
يختلفا في كثير من التفاصيل لكن ربما
يتفقان على نقطه اساسيه وهي ان الاقتصاد
لا يمكن ان يكون هدفا في حد ذاته فالمجتمع
الذي ينتج اكثر ليس بالضروره المجتمع الذي
يعيش افضل كما ان الفرد الذي يعمل اكثر
ليس بالضروره الفرد الذي يعيش حياه اكثر
امتلاء فهناك فرق كبير بين ان تزيد ثروه
الانسان وبين ان تزيد جوده حياته واذا
اختلط هذان الامران فاننا سنقيس كل شيء
بالارقام وسنى ان اهم ما في الحياه لا
يمكن اختزاله في رقمي اصلا وفي النهايه
يبقى السؤال مفتوحا امام كل واحد منا وليس
امام الفلاسفه فقط عندما تنظر الى حياتك
بعد سنوات ماذا تريد ان تتذكر هل عدد
الساعات التي عملتها ام عدد الرسائل التي
اجبت عنها ام عدد الاجتماعات التي حضرتها
ام انك ستتذكر الاشخاص الذين احببتهم
والافكار التي غيرتك والكتب التي فتحت لك
ابوابا جديده واللحظات التي شعرت فيها انك
تعيش فعلا لا انك تؤدي مهمه اخرى على
قائمه لا تنتهي ربما لا نستطيع تغيير
النظام الاقتصادي العالمي بمفردنا وربما
لن تتوقف الراسماليه عن دفع الناس نحو
مزيد من الانتاج والمنافسه لكن كل انسان
يستطيع ان يقرر اين يضع الحدود وان يسال
نفسه من حين الى اخر سؤالا بسيطا قد يكون
اهم من كل مؤشرات النجاح هل انا استخدم
العمل لكي ابني حياتي ام ان العمل اصبح
يستخدم حياتي لكي يستمر
More transcripts
Explore other videos transcribed with YouTLDR.

Rockefeller: The World’s First Billionaire
MagnatesMedia · English

SEJARAH LENGKAP PERANG DUNIA KE-2
Emang Iya · Indonesian

Become a Fullstack Developer from Scratch – Full Beginner’s Tutorial
freeCodeCamp.org · English

Actuaire – Analyse et anticipe les risques pour sécuriser les engagements d’AXA
AXA France · French

Is Etsy About To Change SEO Forever? Or Am I Reading Too Much Into A Glitch?
Pam Duthie · English

KONSENTRASI LARUTAN : MOLARITAS, MOLALITAS, DAN FRAKSI MOL
WIN'S CHEMISTRY CLASS · English

Pendahuluan Elektrostatika, Jenis Muatan dan Hukum Coulomb (Fisika SMA/MA Sagufindo kls XII smt 1)
MGMP FISIKA SAGUFINDO · English

DOA ADALAH SENJATA TERBAIK KITA I Khotbah Ps. Dr. Gideon Simanjuntak
KERINDUANKU CHURCH KELAPA GADING · Indonesian

Ceramah Singkat: Hidup Untuk Apa? - Syaikh Dr. Malik Husain Sya'ban.
Yufid.TV - Pengajian & Ceramah Islam · English

World War 1 (All Parts, 4k)
Epic History · English

Uma jornada selvagem pela selva de pedra | filme de animação para toda a família!
CineBRX · Portuguese (Portugal, Brazil)

Short Class Design Principles | MySkill
MySkill · English
Get the TLDR of any YouTube video
Transcribe, summarize, and repurpose videos in 125+ languages — free, no signup required.