هل يمكن الوثوق بعقلك؟ كيف غيّر هيوم وكانط فهمنا للحقيقة
قبل ان نتحدث عن ديفيد هيوم او ايمانويل
كانت وقبل ان ندخل في كتب مثل رساله في
الطبيعه البشريه او بحث في الفاهمه
البشريه او نقد العقل المحض علينا ان
نتوقف امام سؤال يبدو بسيطا للغايه لكنه
في الحقيقه من اخطر الاسئله التي طرحها
الانسان على نفسه منذ بدايه الفلسفه عندما
تستيقظ كل صباح من اين ياتي يقينك بان
العالم الذي تراه موجود فعلا عندما تنظر
الى الجدار امامك كيف تعرف انه موجود حتى
لو اغلقت عينيك عندما تضع كوبا على
الطاوله ثم تترك الغرفه لماذا تفترض انه
ما زال في مكانه عندما تعود وعندما تقول
ان النار تحرق او ان الماء يروي او ان
الشمس ستشرق غدا هل تملك دليلا عقليا
حقيقيا على ذلك ام انك فقط اعتدت ان ترى
هذه الاشياء تتكرر حتى اصبح عقلك يتوقعها
تلقائيا هذه الاسئله قد تبدو لاول وهله
مجرد العاب فلسفيه لا علاقه لها بالحياه
اليوميه لكنها في الواقع تمس كل شيء انها
تمس العلم والدين والقانون والاخلاق
والسياسه وحتى حياتك الشخصيه لان الانسان
لا يستطيع ان يعيش دون ان يثق بعقله لكن
المشكله ان الثقه شيء والبرهان شيء اخر
نحن نتصرف وكان عقولنا مراه تعكس الواقع
كما هو لكن هل هذا صحيح فعلا ام ان العقل
لا يعكس العالم بل يعيد نعيد تشكيله
بطريقه لا نشعر بها واذا كان الامر كذلك
فهل نحن نعرف الواقع كما هو ام نعرف فقط
الصوره التي يصنعها عقلنا عنه؟ منذ
اليونان القديمه كان الاعتقاد السائد بين
كثير من الفلاسفه ان العقل قادر على
الوصول الى الحقيقه اذا استخدم بالطريقه
الصحيحه راى افلاطون ان المعرفه الحقيقيه
لا تاتي من الحواس لان الحواس تخدعنا بل
تاتي من العقل الذي يستطيع ادراك المثل
الثابته ثم جاء اروستو ليمنح التجربه دورا
اكبر لكنه ظل مقتنعا بان العقل قادر على
اكتشاف النظام الموجود في الطبيعه وبعد
قرون طويله ومع بدايه العصر الحديث ظهر
رينيه ديكارت ليعلن ان الطريقه الوحيد الى
اليقين هو الشك في كل شيء حتى لا يبقى الا
ما يستحيل الشك فيه ومن هنا جاءت عبارته
الشهيره انا افكر اذا انا موجود كان
ديكارت يعتقد ان العقل
اذا بدا من مبادئ واضحه ومتميزه يستطيع ان
يبني معرفه يقينيه عن العالم كله ثم جاء
باروخ سبينوزا وجوت فريد لايبنس ليواصلا
هذا المشروع العقلاني مؤكدين ان العقل ليس
مجرد اداه لفهم الواقع بل هو الطريق
الاساسي الى الحقيقه وان الكون نفسه منظم
وفق قوانين عقليه يمكن اكتشافها لكن بينما
كان العقلانيون يبنون هذا الصرح الهائل من
الثقه في العقل كان تيار اخر ينمو في
الجزر البريطانيه جون لوك اعلن ان الانسان
يولد بلا افكار فطريه وان العقل في بدايته
صفحه بيضاء تكتب عليها التجربه كل شيء ثم
جاء جورج بيركلي ليذهب ابعد من ذلك معتبرا
ان وجود الاشياء مرتبط بادراكها وبعدهما
ظهر رجل سيقلب تاريخ الفلسفه كله رجل لم
يهاجم العقل بالصراخ ولم يحاول هدم
الفلسفه بالخطابه بل استخدم المنطق نفسه
ضد اكثر الافكار رسوخا كان هذا الرجل هو
ديفيد هيوم هيوم لم يبدا باعلان ان البشر
مخطئون بل بدا بملاحظه بسيطه للغايه قال
ان كل افكارنا تاتي في النهايه من
الانطباعات الحسيه نحن نرى ونسمع ونلمس ثم
يصنع العقل افكارا اعتمادا على تلك
الخبرات فاذا كان الامر كذلك فمن اين جاءت
الافكار التي نزعم انها ضروريه وعالميه من
اين جاءت فكره السببيه من اين جاءت فكره
الجوهر من اين جاءت فكره الذات الثابته
وهل رايناها يوما باعيننا ام اننا فقط
افترضنا وجودها لاننا اعتدنا التفكير بهذه
الطريقه كانت هذه الاسئله كافيه لزرع الشك
في اساس الفلسفه الاوروبيه كلها لكن ما
جعل هيوم خطيرا ليس انه شكك بل الطريقه
التي شك بها لم يكن شكاكا يريد تدمير
المعرفه لمجرد التدمير بل كان يسال سؤالا
بسيطا اعطني الدليل
اذا قلت ان لكل حدث سببا فارني اين رايت
هذا السبب؟ اذا قلت ان المستقبل سيكون
مشابها للماضي فاعطني برهانا عقليا لا
يعتمد على التجربه نفسها اذا قلت ان هناك
ذاتا ثابته داخل الانسان فارني اين وجدتها
عندما راقبت خبرتك الداخليه في كل مره كان
الفلاسفه يقدمون اجابه كان هيوم يعود
بالسؤال نفسه كيف عرفت ذلك وهل هذه
المعرفه جاءت من التجربه ام من العقل
ام انك فقط اعتدت التفكير بهذه الطريقه
شيئا فشيئا بدا البناء الذي استغرق قرونا
يهتز لانه يوم لم يكن يناقش نتيجه معينه
بل كان يناقش الطريقه التي نصل بها الى اي
نتيجه اصلا في كتابه بحث في الفاهمه
البشريه يطرح هيوم احدى اشهر الافكار في
تاريخ الفلسفه يقول اننا عندما نرى كره
بلياردو تصطدم باخرى فاننا لا نرى السببيه
نفسها نحن نرى الكره الاولى تتحرك
ثم نرى الثانيه تتحرك بعدها هذا كل ما
نراه اما القوه التي تربط الحدثين فلا
نراها اطلاقا نحن فقط اعتدنا بعد مشاهده
هذا المشهد مرات كثيره ان نتوقع حركه
الكره الثانيه بمجرد رؤيه الاولى تتحرك
وهكذا ينشا الاعتقاد بالسببيه من العاده
النفسيه لا من ادراك عقلي لضروره موجوده
في الطبيعه اذا بدا هذا الكلام بسيطا
فتخيل نتائجه لان كل العلوم الطبيعيه
تعتمد على السببيه الفيزياء تبحث عن اسباب
الحركه والكيمياء تبحث عن اسباب التفاعلات
والطب يبحث عن اسباب الامراض فاذا كانت
السببيه ليست شيئا نراه في العالم بل مجرد
عاده ذهنيه فهل يعني ذلك ان العلم كله
يقوم على افتراض لا يمكن اثباته هنا تبدا
الازمه الحقيقيه ثم انتقل هيوم الى مشكله
اخطر وهي ما يعرف اليوم بمشكله الاستقراء
نحن نعتقد ان الشم شمس ستشرق غدا لاننا
رايناها تشرق كل يوم لكن هل الماضي يضمن
المستقبل؟ لو سالك احد لماذا تعتقد ان
قوانين الطبيعه لن تتغير غدا فستقول لانها
لم تتغير من قبل لكنه سيجيبك بانك استخدمت
الماضي لاثبات ان الماضي يشبه المستقبل
وهذا هو الشيء الذي تحاول اثباته اصلا لقد
درت في دائره مغلقه لا يوجد برهان منطقي
يثبت ان المستقبل سيكون يكون مثل الماضي
بل يوجد فقط ميل نفسي قوي يجعلنا نتوقع
استمرار ما اعتدنا عليه
اذا اردنا ان نفهم لماذا اعتبر كثير من
المؤرخين ان ديفيد هيوم هو اخطر فيلسوف
ظهر في العصر الحديث فعلينا اولا ان نتخلص
من صوره الفيلسوف الذي يبني نظريات جديده
عن العالم هيوم لم يبدا ببناء شيء بل بدا
بتفكيك كل ما كان الاخرون يعتبر تبرونه
بديهيا لم يقل ان العالم غير موجود ولم
يقل ان العلم كاذب ولم يقل ان الانسان
عاجز عن المعرفه بل فعل شيئا اكثر ازعاجا
اخذ كل فكره اعتقد الفلاسفه انها واضحه ثم
سال سؤالا واحدا فقط كيف عرفت ذلك واذا لم
تستطع ان تقدم دليلا مقنعا فان هذه الفكره
لا تستحق ان تعامل على انها معرفه يقينيه
قد يبدو هذا المنهج عاديا بالنسبه لنا
اليوم لاننا نعيش ش في عصر يقدر النقد
والبرهان لكن في القرن الثام عشر كان
الامر مختلفا تماما كانت الفلسفه
الاوروبيه قد امضت قرونا وهي تحاول بناء
نظام معرفي [تنحنُح] متماسك منذ ديكارت
كان هناك اعتقاد بان العقل يستطيع اذا بدا
من مبادئ واضحه ان يصل الى يقين يشبه يقين
الرياضيات ثم جاء سبينوزا ولايبنتس واكملا
هذا المشروع اصبح العقل هو السيد واصبحت
الميتافيزيقه تحاول تفسير الله والنفس
والعالم اعتمادا على الاستدلال العقلي
وحده بدا وكان الانسان اخيرا وجد الاساس
الذي لا يمكن ان يهتز لكنه يوم راى ان
المشكله بدات منذ اللحظه الاولى الفلاسفه
في رايه كانوا يتحدثون بثقه عن اشياء لم
يبرهنوا عليها اصلا كانوا يستخدمون كلمات
مثل الجوهر والضروره والسبب والذات وكانها
اشياء واضحه بينما هي في الحقيقه مفاهيم
لم يتوقف احد ليسال من اين جاءت هل
رايناها هل لمسناها هل هي موجوده في
التجربه ام انها مجرد الفاظ اعتدنا
استخدامها في كتابه الاشهر رساله في
الطبيعه البشريه الذي نشره وهو في سن
صغيره حاول ان يؤسس ما سماه علم الطبيعه
الانسانيه كان مقتنعا بان الفلاسفه اخطاوا
لانهم بداوا بالعالم قبل ان يفهموا الاداه
التي تحاول فهم العالم وهي العقل البشري
نفسه ولذلك قال ان اي فلسفه لا تبدا
بتحليل كيفيه عمل الذهن الانساني ستظل
معرضه للخطا مهما كانت نتائجها تبدو
منطقيه لكن المفارقه ان الكتاب لم يحقق
النجاح الذي توقعه كتب هيوم لاحقا ان
الكتاب خرج من المطبعه ميتا لم يهتم به
الناس كما كان يامل لكن الافكار التي
احتواها لم تمت اعاد صياغه معظمها لاحقا
في كتاب بحث في الفاهمه البشريه بلغه اوضح
وهناك بدات الفلسفه الاوروبيه تدرك ان هذا
الرجل لا يختلف مع الاخرين في النتائج فقط
بل في الطريقه التي ينبغي ان نفكر بها.
كانت نقطه البدايه عند هيوم بسيطه جدا قسم
كل محتويات العقل الى نوعين. هناك
الانطباعات وهي الخبرات المباشره القويه
التي نشعر بها عندما نرى او نسمع او نتذوق
او نتالم او نفرح. وهناك الافكار وهي
الصور الاضعف التي تبقى في الذهن بعد
انتهاء التجربه. عندما ترى النار وتشعر
بحرارتها فهذا انطباع وعندما تتذكر النار
بعد ساعات فهذه فكره ومن هنا وضع مبداه
الشهير كل فكره صحيحه يجب ان يمكن ارجاعها
الى انطباع سابق فاذا وجدت فكره لا تستطيع
ان تحدد الانطباع الذي جاءت منه فهناك
احتمال كبير انها مجرد وهم لغوي قد يبدو
هذا المبدا عاديا لكنه كان اشبه بقنبله
داخل الفلسفه لانه يوم بدا يستخدمه ضد اهم
المفاهيم الفلسفيه عندما يتحدث احدهم عن
الجوهر يسال اين هو الانطباع الحسي الذي
اعطاك هذه الفكره عندما يتحدث عن النفس
باعتبارها شيئا ثابتا يسال متى رايتها
عندما يتحدث عن الضروره الموجوده في
الطبيعه يسال في اي تجربه لاحظتها مباشره
كان يريد ان يعيد الفلسفه كلها الى الارض
لا تتحدث عن شيء لا تستطيع ان تفسر كيف
عرفته ولكي نفهم قوه هذا المنهج تخيل انك
ترى شجره في الواقع ما الذي يصل الى عقلك؟
الضوء ينعكس عن الشجره يدخل الى العين
تتحول الاشارات الى نبضات عصبيه ثم
يعالجها الدماغ انت لا تلمس الواقع مباشره
بل تستقبل سلسله من الاشارات الحسيه هيوم
يقول ان كل معرفتك تبدا من هذه الاشارات
وليس من العالم نفسه ولذلك فان اي حديث عن
اشياء تتجاوز الخبره المباشره يحتاج الى
تبرير قوي
من هنا بدا يشك في الطريقه التي يستخدم
بها البشر اللغه لاحظ ان الانسان يميل الى
تحويل الاسماء الى اشياء حقيقيه بمجرد ان
نعطي اسما لشيء نتصرف وكانه موجود بالفعل
نقول السببيه الذات القوه الجوهر ثم ننسى
ان السؤال الحقيقي هو هل يوجد في التجربه
شيء يطابق هذه الكلمات هذه الفكره ستؤثر
لاحقا في فلاسفه كثيرين من الوضعيين
المنطقيين الى بيرتراند راسل وحتى في بعض
اتجاهات فلسفه اللغه الحديثه لكن اخطر ما
فعله هيوم انه لم يكتفي بتحليل المفاهيم
بل حلل الطريقه التي يستدل بها العقل نفسه
كان يميز بين نوعين من القضايا النوع
الاول سماه علاقات بين الافكار مثل
الرياضيات والهندسه والمنطق عندما تقول ان
المثلث له ثلاثه اضلاع او ان 2 + 2 = 4
فانت لا تحتاج الى مشاهده العالم حتى تعرف
ان ذلك صحيح. هذه القضايا صحيحه بحكم
معانيها وبنيتها العقليه. اما النوع
الثاني فهو قضايا الواقع. عندما تقول ان
هناك جبلا خارج المدينه او ان الماء يغلي
عند درجه معينه او ان شخصا ما سيزورك غدا
فهذه كلها قضايا لا يمكن للعقل وحده ان
يثبتها. تحتاج دائما الى التجربه. وهنا
يطرح هيوم السؤال الذي قلب الفلسفه راسا
على عقب. كيف ينتقل العقل من التجربه
المحدوده الى الاحكام العامه؟ كيف ترى
عددا كبيرا من الغربان السوداء ثم تستنتج
ان كل الغربان سوداء كيف ترى الشمس تشرق
الاف المرات ثم تستنتج انها ستشرق غدا
ايضا باي حق منطقي فعلت ذلك؟ قد يبدو
الجواب واضحا لان الماضي اثبت ذلك مرارا
لكن هيوم يبتسم هنا ويقول هذا ليس جوابا
بل تكرار للمشكله نفسها انت تقول ان
المستقبل سيشبه الماضي لان الماضي كان
يشبه نفسه لكنك بذلك تفترض مسبقا ان
الطبيعه منتظمه وهذا هو الشيء الذي تحاول
اثباته اذا استخدمت انتظام الماضي لاثبات
انتظام المستقبل فقد وقعت في دائره منطقيه
مغلقه
اذا كان هناك فصل واحد في تاريخ الفلسفه
يمكن القول انه غير الطريقه التي يفكر بها
العلماء والفلاسفه حتى يومنا هذا فهو هو
الفصل المتعلق بالسببيه والاستقراء لان
السؤال الذي طرحه ديفيد هيوم لم يكن سؤالا
عن حادثه معينه ولا عن نظريه علميه بعينها
بل عن الاساس الذي يقوم عليه كل علم وكل
توقع وكل قرار يتخذه الانسان نحن نعيش
حياتنا وكان العلاقه بين الاسباب والنتائج
حقيقه واضحه لا تحتاج الى اثبات عندما نرى
النار نتوقع الحراره عندما نرى الغيوم
السوداء نتوقع المطر عندما نض ضغط على
مفتاح الاناره نتوقع ان يضيء المصباح
وعندما يصف الطبيب دواء معينا فانه يتوقع
ان يؤدي الى نتيجه محدده هذه السلسله من
التوقعات لا تتوقف لحظه واحده بل هي
الاطار الذي يتحرك داخله الانسان منذ ان
يفتح عينيه في الصباح وحتى يخلد الى النوم
لكن هيوم سال السؤال الذي لم يكن احد يريد
ان يساله هل راينا فعلا العلاقه الضروريه
بين السبب والنتيجه ام اننا فقط راينا
حدثين يتكرران معا مرات كثيره لكي نفهم
قوه هذا السؤال تخيل انك تشاهد للمره
الاولى في حياتك كره بلياردو تتحرك فوق
الطاوله تتحرك الكره الاولى بسرعه مستقيمه
حتى تصطدم بالكره الثانيه وبعد لحظه تبدا
الكره الثانيه بالحركه بينما تتباطا
الاولى او تتوقف ماذا رايت بعينيك اذا
اجبت بسرعه ستقول ان الكره الاولى سببت
حركه الثانيه لكن هيوم سيطلب منك ان تصف
ما رايته بدقه لا ما اعتقدت انه حدث
ستكتشف انك لم ترى السبب ابدا كل ما رايته
هو تسلسل زمني رايت حركه ثم اصطداما ثم
حركه اخرى اما القوه التي تسميها سببا فلم
تظهر امام عينيك في اي لحظه انت لم تشاهد
الضروره بل شاهدت تعاقبا منتظما بين حدثين
قد يبدو هذا مجرد تلاعب [تنحنُح] بالالفاظ
لكنه ليس كذلك لان الفلاسفه منذ ارسطو
كانوا يعتقدون ان السبب يه علاقه موجوده
في الطبيعه نفسها وان العقل يستطيع
اكتشافها اما هيوم فيقول اننا لا ندرك في
التجربه سوى التتابع والاقتران المستمر
عندما يتكرر هذا الاقتران عددا كبيرا من
المرات تتكون داخل الذهن عاده نفسيه
تجعلنا نتوقع الحدث الثاني كلما ظهر الاول
هذه العاده قويه جدا حتى اننا ننسى انها
عاده ونتعامل معها على انها قانون عقلي او
حقيقه موجوده في الاشياء نفسها ولكي يوضح
فكرته لم يحتج هيوم الى امثله معقده الطفل
الصغير لا يخاف النار اول مره يراها لانه
لم يربط بعد بين اللهب والالم لكنه بعد ان
يلمسها ويحترق تبدا علاقه جديده بالتشكل
داخل ذهنه وبعد تكرار التجربه او رؤيه
الاخرين يحترقون يصبح مجرد رؤيه النار
كافيا لاثاره توقع الالم هل اكتشف الطفل
ضروره عقليه موجوده داخل النار لا لقد كون
عاده ذهنيه نتيجه التكرار ولو كان العالم
مختلفا بحيث لا تحرق النار الا مره واحده
من كل الف مره لتشكلت لدينا عاده مختلفه
تماما وهنا يريد هيوم ان يلفت انتباهنا
الى نقطه خطيره جدا نحن لا نخلط فقط بين
التكرار والضروره بل نبني كل معرفتنا عن
العالم على هذا الخلط عندما نقول ان الماء
يغلي عند درجه معينه او ان الحديد يتمدد
بالحراره او ان الجاذبيه تسقط الاجسام نحو
الارض فاننا نصف انماطا لاحظناها باستمرار
لكن هل نستطيع ان نبرهن عقليا على انها
ستظل كذلك دائما؟ الجواب عند هيوم هو لا
قد يعترض احدهم قائلا ان قوانين الطبيعه
اثبتت نفسها عبر قرون طويله لكن هذا
الاعتراض هو بالضبط ما يريده يوم مناقشته
لان قولك ان شيئا سيستمر في المستقبل لانه
استمر في الماضي هو استخدام للماضي لاثبات
المستقبل بينما المطلوب هو اثبات ان
المستقبل يشبه الماضي انت لم تقدم برهانا
جديدا بل كررت الفرضيه نفسها بصيغه مختلفه
هذه هي المشكله التي عرفت لاحقا باسم
مشكله الاستقراء وهي ليست مشكله جانبيه
داخل الفلسفه بل تمس كل العلوم التجريبيه
العلم لا يستطيع ان يراقب كل شيء في كل
زمان ومكان العالم يجري تجارب محدوده ثم
يعمم النتائج يرى عددا من الحالات ثم يصوغ
قانونا عاما لكن ما الذي يبرر هذا
الانتقال من المحدود الى العام؟ لماذا
نفترض ان ما حدث في الماضي سيحدث في
المستقبل ولماذا نفترض ان ما حدث في مختبر
صغير ينطبق على الكون كله؟ قبلوم كان كثير
من الفلاسفه يتعاملون مع هذا الانتقال
وكانه امر طبيعي لا يحتاج الى تفسير اما
بعد هيوم اصبح السؤال مطروحا بقوه هل يمكن
اثبات الاستق قراء منطقيا واذا لم يمكن
اثباته فما الذي يجعل العلم ممكنا اصلا
بعد اكثر من قرن سياتي الفيلسوف كارل بوبر
ويقول انه يوم كان محقا في هذه النقطه لا
يمكن تبرير الاستقراء منطقيا ولذلك فان
العلم لا يتقدم باثبات النظريات بل
بمحاوله تكذيبها النظريه العلميه ليست
حقيقه نهائيه بل افضل تفسير النج حتى الان
من الاختبارات ولهذا كان بوبر يقول اننا
لا نستطيع اثبات صحه قانون علمي بصوره
نهائيه لكننا نستطيع اكتشاف خاطئه اذا
ظهرت ادله تناقضه وهكذا اصبحت مشكله هيوم
اساسا لفلسفه العلم الحديثه لكن لنعد الى
القرن الثام عشر لان الازمه كانت اكبر من
مجرد نقاش حول المنهج العلمي اذا كانت
السببيه مجرد عاده نفسيه فان معنى ذلك ان
العقل لا يكتشف نظام الطبيعه بل يعتاد على
انماطها واذا كانت قوانين الطبيعه نفسها
لا يمكن تبريرها الا بالاعتماد على الماضي
فان اليقين الذي حلم به ديكارت ولايبنتس
يبدو بعيد المنال
حتى هذه اللحظه كان هيوم قد نجح في زعزعه
ثقتنا بالسببيه واظهر ان الاستقراء لا
يملك اساسا منطقيا يقينيا لكن ما سيقدمه
الان سيكون اكثر راديكاليه لان الانسان قد
يقبل بعد نقاش طويل ان السببيه ليست واضحه
كما كان يعتقد
وقد يقبل ايضا ان المستقبل لا يمكن اثباته
بالعقل وحده لكنه لا يستطيع بسهوله ان يشك
في [تنحنُح] اكثر شيء يشعر انه قريب منه
وهو نفسه كل انسان يشعر بانه الشخص ذاته
الذي كان موجودا قبل عشر سنوات وبانه
سيبقى الشخص نفسه بعد عشر سنوات اخرى نحن
نستخدم كلمه انا مئات المرات كل يوم دون
ان نتوقف لحظه لنسال ما الذي تشير اليه
هذه الكلمه فعلا هل توجد داخل الانسان ذات
ثابت ومستقله تبقى كما هي رغم تغير
الافكار والمشاعر والجسد ام ان هذا مجرد
انطباع نفسي صنعه العقل قبل يوم كانت
الاجابه تبدو واضحه بالنسبه لمعظم
الفلاسفه ديكارت اعتبر ان الذات هي اول
حقيقه يقينيه عندما شك في كل شيء بقي شيء
واحد لم يستطع الشك فيه وهو انه يفكر ومن
هنا قال عبارته الشهيره انا افكر اذا انا
موجود بالنسبه لديكارت وجود الذات حقيقه
اوضح من وجود العالم الخارجي نفسه اما جون
لوك فقد ربط الهويه الشخصيه باستمرار
الوعي والذاكره معتبرا ان الانسان يبقى هو
نفسه ما دام يتذكر افعاله وخبراته الماضيه
وكان اللاهوت المسيحي يعتمد ايضا على فكره
وجود نفس ثابته تستمر بعد الموت وتتحمل
مسؤوليه افعالها لكن هيوم لم يبدا من
النظريات بل بدا من التجربه المباشره قال
عندما اراقب نفسي بدقه ماذا اجد؟ هل اجد
شيئا ثابتا اسمه الانا ام اجد فقط مجموعه
متغيره من الاحساسات والانفعالات والافكار
والذكريات؟ كانت اجابته صادمه قال انه
كلما حاول ان يبحث عن ذاته لم يجد الا
انطباعا معينا احيانا يجد الما واحيانا
يجد فرحا واحيانا يجد خوفا واحيانا يجد
فكره واحيانا يجد صوره في الذاكره لكنه لم
يجد ابدا شيئا منفصلا عن هذه الخبرات يمكن
ان يسميه الذات ولذلك كتب في رساله في
الطبيعه البشريه ان الانسان ليس سوى حزمه
او مجموعه من الادراكات المختلفه التي
تتعاقب بسرعه لا يمكن تصورها وتكون في
حركه وتغير دائمين هذه العباره اصبحت تعرف
في تاريخ الفلسفه باسم نظريه الحزمه
الانسان في نظر هيوم ليس جوهرا ثابتا يحمل
الصفات بل هو مجموعه من الخبرات المتغيره
التي ترتبط ببعضها عبر الذاكره والتشابه
والعاده نحن نتخيل وجود ذات مستقله لانها
الطريقه الاسهل لتنظيم هذا السيل المستمر
من التجارب ولكي نفهم قصده تخيل نهرا يجري
امامك عندما تنظر اليه تقول انه نهر واحد
لكن اذا توقفت للتامل ستكتشف ان الماء
الذي مر قبل دقيقه قد اختفى والماء
الموجود الان مختلف تماما وبعد دقيقه اخرى
سيكون مختلفا ايضا لماذا اذا تسميه نهرا
واحدا لان عقلك يجمع هذه الحركه المستمره
تحت اسم واحد هيوم يقول ان الانسان يشبه
هذا النهر الجسد يتغير والخلايا تتبدل
والافكار تتبدل والرغبات تتبدل وحتى
الذكريات نفسها تتغير مع الزمن لكن العقل
يصنع من هذا التغير قصه متصله يسميها انا
وقد يجد البعض هذه الفكره غريبه لكن العلم
الحديث اظهر ان كثيرا مما اعتبره الناس
ثابتا ليس ثابتا بالفعل معظم خلايا الجسم
تتجدد باستمرار والذاكره ليست تسجيلا
فوتوغرافيا للماضي بل يعاد بناؤها كل مره
نتذكر فيها حدثا [تنحنُح]
حتى الشخصيه نفسها تتغير عبر السنوات
الانسان الذي كان في العاشره من عمره لا
يفكر بالطريقه نفسها وهو في ال ولا يشعر
بالمشاعر نفسها ولا يحمل القيم نفسها ومع
ذلك يقول بثقه هذا انا لكن اذا لم تكن
هناك ذات ثابته فمن الذي يتذكر ومن الذي
يتحمل المسؤوليه ومن الذي يعاقب او يكافا
هنا تظهر اولى النتائج الخطيره لفلسفه
هيوم لان القانون والاخلاق والدين تعتمد
جميعها على فكره وجود شخص واحد يستمر عبر
الزمن فاذا اصبحت الهويه مجرد سلسله من
الادراكات فان تفسير المسؤوليه الاخلاقيه
يصبح اكثر تعقيدا بكثير ومع ذلك لم يكن
هيوم ينكر ان الناس يشعرون بوحده شخصيتهم
هو فقط كان يقول ان هذا الشعور لا يكفي
لاثبات وجود جوهر ثابت فالانسان قد يشعر
باشياء كثيره لا تعكس الواقع كما هو العقل
في رايه يميل دائما الى البحث عن الوحده
والنظام وسط التغير المستمر ولذلك يصنع
روابط بين الخبرات المتتابعه ثم يتعامل مع
هذه الروابط وكانها شيء موجود خارج الذهن
وهنا ينتقل هيوم الى مشكله اخرى لا تقل
خطوره وهي مشكله العالم الخارجي عندما
تنظر الى شجره ماذا تعرف عنها حقا؟ يبدو
السؤال بسيطا لكن اذا تاملت قليلا ستكتشف
ان كل ما يصل اليك هو الوان واشكال وروائح
وملمس واصوات هذه كلها انطباعات داخل
خبرتك اما الشجره نفسها كما هي في ذاتها
فانت لا تصل اليها مباشره انت تصل الى
تمثيل حسي لها هذا لا يعني انهيوم كان
ينكر وجود العالم الخارجي لكنه كان يقول
اننا لا نملك برهانا عقليا يثبت ان الواقع
مطابق تماما لما ندركه نحن نفترض ان هناك
عالما مستقلا لان هذا الافتراض ضروري
للحياه اليوميه لكننا لا نستطيع ان نستخرج
هذا الافتراض من التجربه نفسها وهنا تظهر
مشكله فلسفيه قديمه وعرفت لاحقا باسم
مشكله التمثيل هل الادراك نافذه نرى من
خلالها العالم كما هو ام انه شاشه يعرض
عليها العقل صوره خاصه للعالم اذا كنت لا
تدرك الا خبراتك الداخليه فكيف تنتقل من
هذه الخبرات الى الجزم بوجود اشياء مستقله
عنها. الفيلسوف الايرلندي جورج بيركلي سبق
هيوم الى طرح سؤال قريب من هذا لكنه وصل
الى نتيجه مختلفه تماما. بيركلي قال ان
وجود الشيء يعني ان يكون مدركا وان العالم
يستمر في الوجود لان الله يدركه دائما.
اما هيوم فلم يقبل هذا الحل. لم يكن يريد
ان يستبدل افتراضا باخر. كان يريد ان
يلتزم بما تسمح به الخبره فقط. ولذلك بقي
اكثر تحفظا عندما نقرا تاريخ الفلسفه نجد
ان معظم الفلاسفه يختلفون مع من سبقهم في
بعض الافكار لكن نادرا ما نجد فيلسوفا
يعترف صراحه بان شخصا اخر غير حياته
الفكريه بالكامل ايمانويل كانت فعل ذلك لم
يخفي تاثير ديفيد هيوم عليه ولم يحاول
التقليل من شانه بل كتب في مقدمه كتاب
تمهيدات لكل ميتافيزيقى مستقبليه جمله
اصبحت من اشهر الجمل في تاريخ الفلسفه
اعترف بحريه ان اعتراض ديفيد هيوم هو الذي
ايقظني اولا من سبات الدوغمائي ووجه
ابحاثي في الفلسفه التامليه وجهه مختلفه
تماما هذه ليست عباره مجامله وليست
اعترافا عاديا بتاثير فيلسوف على اخر بل
اعلان عن نهايه عصر وبدايه عصر جديد لان
كانت يقصد بالثبات الدغمائي تلك الثقه
المطلقه التي كانت الفلسفه العقلانيه
تمتلكها قبل ظهور يوم الثقه التي جعلت
الفلاسفه يعتقدون ان العقل قادر بمجرد
التامل على اكتشاف حقائق نهائيه عن الله
والنفس والعالم والسببيه والجوهر دون ان
يتوقف احد ليسال ما الذي يبرر هذه الثقه
لكي نفهم حجم التحول الذي عاشه كانت علينا
ان نعود الى البيئه الفكريه التي نشا فيها
ولد في مدينه كونيكسبرج في بروسيا وكان
التعليم الفلسفي الذي تلقاه قائما على
تراث لايبنس
وكريستيان فولف وهو تراث يؤمن بان العقل
يمتلك قدره هائله على الوصول الى المعرفه
اليقينيه كانت الرياضيات النموذج الاعلى
لكل معرفه وكان الاعتقاد السائد ان
الفلسفه تستطيع ان تصبح علما صارما اذا
استخدمت العقل بالطريقه الصحيحه كانت
الميتافيزيقى تعامل بوصفها علما قادرا على
البرهنه على وجود الله وعلى خلود النفس
وعلى طبيعه الكون اعتمادا على الاستدلال
العقلي وحده في تلك المرحله لم يكن كانط
ثوريا كان يكتب داخل الاطار السائد ويحاول
تحسينه لا هدمه كان يؤمن بان العقل يمتلك
سلطه واسعه وان المعرفه يمكن بناؤها على
اسس يقينيه لكن ثم جاءت كتب هيوم وبخاصه
تحليله للسببيه وهنا شعر كانت ان المشكله
ليست صغيره كما ظن كثير من الفلاسفه اذا
كان هيوم محا الفيزياء النيوتينيه نفسها
تصبح بلا اساس فلس فلسفي المتين نيوتن لم
يكتشف مجرد ظواهر متفرقه بل اكتشف قوانين
عامه تحكم الكون كله فاذا كانت العلاقه
بين السبب والنتيجه مجرد عاده نفسيه كما
يقول هيوم فكيف يمكن ان تكون قوانين نيوتن
ضروريه وعامه ولماذا تنجح الرياضيات بهذه
الدقه في وصف العالم الطبيعي هذا السؤال
اصبح هاجسا بالنسبه لكم لم يكن مستعدا
للتخلي عن نجاح العلم لكنه لم يكن قادرا
ايضا على تجاهل نقد هيوم ولذلك ادرك ان
المشكله ليست في نتائج هيوم بل في
الافتراضات التي سبقتها لقد كان الفلاسفه
يسالون دائما كيف يطابق العقل العالم اما
كانت فبدا يشعر ان السؤال نفسه قد يكون
خاطئا لفهم حجم هذا التغيير تخيل انك تدخل
غرفه مظلمه وبيدك مصباح طوال حياتك كنت
تعتقد ان المصباح يكشف الاشياء كما هي ثم
ياتي شخص ويقول لك ان الضوء نفسه يؤثر في
الطريقه التي تراها بها فجاه لم يعد
السؤال ماذا يوجد في الغرفه بل اصبح كيف
يغير الضوء شكل ما اراه هذا بالضبط ما
سيحدث في فلسفه كانت لم يعد يريد ان يسال
فقط عن العالم بل عن الشروط التي تجعل
رؤيه العالم ممكنه لكن قبل ان يصل الى هذا
الاكتشاف كان عليه ان يحلل بدقه ما الذي
فعله هيوم كثير من الناس يظنون ان هيوم
هاجم السببيه نفسها لكن كانت فهم ان الامر
اعمق من ذلك هيوم لم يقل ان السببيه غير
موجوده بل قال ان التجربه وحدها لا تستطيع
ان تعطينا فكره الضروره نحن نرى تعاقب
الاحداث لكننا لا نرى العلاقه الضروريه
بينها هذه الملاحظه كانت صحيحه في نظر
كانت لكنه رفض النتيجه التي استخلصها هيوم
وهي ان الضروره ليست سوى عاده ذهنيه هنا
ظهر السؤال الذي سيصبح محور كتاب نقد
العقل المحض باكمله اذا كانت الضروره لا
تاتي من التجربه فمن اين تاتي؟ لان هناك
احتمالين فقط اما ان تكون موجوده في
الاشياء نفسها ونكتشفها بالتجربه وهذا ما
رفضه هيوم او ان يكون مصدرها العقل نفسه
وهنا بدات يقترب من فكرته الكبرى لكن لكي
يشرح هذه الفكره استخدم تشبيها مستوحا من
تاريخ العلم قبل كوبرنيكوس كان الناس
يعتقدون ان الشمس تدور حول الارض لان هذا
ما يبدو للحواس ثم جاء كوبرنيكوس واقترح
قلب العلاقه لم يحاول تفسير حركه الشمس
حول الارض بل افترض ان الارض هي التي
تتحرك هذا التغيير البسيط غير علم الفلك
كله كانت قال ان الفلسفه تحتاج الى ثوره
مشابهه طوال قرون افترض الفلاسفه ان
المعرفه يجب ان تتطابق مع الاشياء اما هو
فاقترح ان نسال ماذا لو كانت الاشياء كما
نعرفها مضطره الى ان تتطابق مع البنيه
التي يعمل بها عقلنا
هذه الفكره تبدو غريبه في البدايه لكنها
كانت بالنسبه لكانت الحل الوحيد الممكن
اذا كانت التجربه لا تعطينا الضروره فلا
بد ان العقل يضيف شيئا الى التجربه بمعنى
اخر العقل ليس كاميرا تلتقط صور العالم بل
جهاز ينظم المعلومات القادمه من الحواس
وفق قواعد موجوده فيه مسبقا وهنا تبدا
المسافه الحقيقيه بين هيوم وكانت هيوم كان
يرى العقل اقرب الى مراقب يسجل ما يحدث ثم
يعتاد على التكرار اما كانت فراى العقل
اقرب الى مهندس يبني التجربه نفسها نحن لا
نستقبل الواقع بصوره خام بل نعالجه منذ
اللحظه الاولى وفق بنيه عقليه محدده ولكي
نفهم المقصود تخيل انك تضع ماء في اوعيه
مختلفه الماء نفسه لا يتغير لكن شكله
يتغير بحسب الاناء كانطيس يقول ان الحواس
تمدنا بماده التجربه اما العقل فهو الاناء
الذي يمنحها شكلا معين معينا ولذلك فان
التجربه التي نعيشها ليست نتاج العالم
وحده ولا نتاج العقل وحده بل هي نتيجه
التفاعل بين الاثنين
عندما نشر ايمانويل كانت كتاب نقد العقل
المحض في اواخر القرن الثام عشر لم يكن
يقصد ان يضيف نظريه جديده الى النظريات
الموجوده ولم يكن يريد ان يدخل في جدل
عادي مع التجريبيين او العقلانيين بل كان
يعتقد انه يقوم بثوره فكريه تعادل في
اهميتها الثوره التي احدثها نيكولاس
كوبرنيكوس في علم الفلك ولهذا استخدم
بنفسه هذا التشبيه قبل كوبرنيكوس كان
علماء الفلك يحاولون تفسير حركه الكواكب
بافتراض ان الارض ثابته وان الكون كله
يدور حولها ومع مرور الوقت اصبحت الحسابات
اكثر تعقيدا واضطر العلماء الى اختراع
دوائر داخل دوائر ونظريات اكثر غرابه حتى
يحافظوا على هذا الافتراض الاساسي. ثم جاء
كوبرنيكوس واقترح شيئا بسيطا لكنه غير كل
شيء. ماذا لو لم تكن الارض هي المركز؟
ماذا لو كانت الارض نفسها هي التي تدور؟
فجاه اصبحت الظواهر التي كانت تبدو معقده
قابله للفهم بصوره ابسط واكثر اتساقا.
كانت راى ان الفلسفه وقعت في الخطا نفسه.
طوال قرون كان الجميع يفترض ان المعرفه
يجب ان تتطابق مع الاشياء وان العقل مجرد
متلق يحاول ان يعكس العالم كما هو وكلما
ظهرت مشكله مثل مشكله السببيه عند هيوم
حاول الفلاسفه ترقيع هذا التصور باجابات
جديده لكن ماذا لو كان الافتراض نفسه
خاطئا ماذا لو لم تكن المعرفه تدور حول
الاشياء بل كانت الاشياء كما تظهر لنا
مضطره الى ان تتوافق مع الطريقه التي يعمل
بها عقلنا
هذا السؤال هو قلب الفلسفه الكانطيه وهو
ايضا السبب في ان كثيرا من الناس يسيئون
فهم كانط بعضهم يظن انه قال ان العقل يخلق
العالم وهذا غير صحيح وبعضهم يظن انه انكر
وجود الواقع الخارجي وهذا ايضا غير صحيح
ما قاله كانت ادق من ذلك بكثير العالم
موجود خارجنا لكننا لا نستطيع ان نعرفه
الا كما يظهر لنا من خلال البنيه التي
يعمل بها عقل الانسان بمعنى اخر هناك فرق
بين الواقع كما هو في ذاته والواقع كما
يصبح قابلا للتجربه الانسانيه ولكي يوضح
هذه الفكره بدات بتحليل ابسط تجربه ممكنه
عندما تنظر الان الى الغرفه التي تجلس
فيها قد تظن انك تستقبل صوره جاهزه من
العالم الخارجي لكن كانت يقول ان ما يحدث
اعقد من ذلك بكثير الضوء يدخل الى العين
وتنتقل الاشارات الى الدماغ لكن هذه
الاشارات وحدها لا تكفي لتكوين تجربه
مفهومه لو كان العقل مجرد مستقبل سلبي
لوصلت الينا الاف المؤثرات الحسيه على شكل
فوضى لا يمكن تفسيرها اللون منفصل عن
الشكل والصوت منفصل عن الحركه ولا يوجد
شيء اسمه جسم واحد او حدث واحد او مكان
واحد لكي تتحول هذه الفوضى الى عالم منظم
لابد ان يكون هناك شيء داخل العقل نفسه
يرتبها يضرب كانت مثالا غير مباشر يمكننا
تطويره اليوم تخيل انك تمتلك صندوقا مليئا
بقطع الاحجيه لكنك لا تملك الصوره الاصليه
اذا سكبت القطع على الارض فلن تحصل على اي
معنى لابد من وجود طريقه لتنظيمها حتى
تظهر الصوره الحواس عند كانت تعطينا القطع
اما العقل فهو الذي يملك قواعد تركيبها
ومن هنا يطلق عبارته الشهيره التي اصبحت
من اكثر الجمل تداولا في تاريخ الفلسفه
الافكار بلا محتوى حسي فارغ
والحدوث الحسيه بلا مفاهيم عمياء هذه
الجمله تلخص العلاقه بين الحواس والعقل لو
كان لدينا عقل فقط دون تجربه فلن تكون
لدينا اي ماده نفكر فيها ولو كانت لدينا
حواس فقط دون عقل فلن تكون لدينا تجربه
مفهومه المعرفه لا تنتج من احدهما وحده بل
من اتحادهما لكن السؤال التالي كان اكثر
اهميه ما الذي يضيفه العقل تحديدا هنا
يقدم كانت اول اكتشاف كبير في مشروعه وهو
ان هناك عنصرين يسبقان كل تجربه ممكنه
وهما الزمان والمكان [أصوات شخير] في
الفلسفه السابقه كان الزمان والمكان
يعتبران شيئا موجودا في العالم الخارجي
كانهما وعاءان كبيران توجد الاشياء
داخلهما اما كانت فقال ان الزمان والمكان
ليسا شيئين نتعلمهما من التجربه بل هما
الشرطان اللذان يجعلان اي تجربه ممكنه من
الاصل ولنفهم ذلك اسال نفسك هل تستطيع ان
تتخ خيل شيئا لا يوجد في اي مكان او حدثا
لا يقع في اي زمان مهما حاولت ستجد ان كل
صوره ذهنيه لديك تظهر داخل اطار مكاني
وزماني ليس لان العالم فرض ذلك عليك بل
عقلك لا يستطيع استقبال اي خبره الا بهذه
الصوره خذ مثالا بسيطا عندما تسمع لحنا
موسيقيا فانك لا تسمع النغمات كلها في
لحظه واحده بل تسمعها متتابعه عبر الزمن
ولو اختفى ادراك الزمن لما امكن ان توجد
موسيقى اصلا بل مجرد اصوات منفصله بلا
معنى وكذلك عندما تنظر الى منزل فانت لا
ترى خطوطا والوانا متناثره بل تراها مرتبه
في فضاء واحد ادراك المكان ليس نتيجه
الخبره بل هو الشرط الذي يسمح بوجود
الخبره ولهذا يقول كانت ان الزمان والمكان
صورتان قبليتان للحساسيه كلمه قبلي هنا لا
تعني انهما موجودان قبل ولاده الانسان
بالمعنى الزمني بل تعني انهما يسبق كل
تجربه من حيث المنطق لا توجد تجربه نستخلص
منها المكان والزمان بل كل تجربه ممكنه
تفترض وجودهما مسبقا وهنا بدا كانت يجيب
بصوره غير مباشره عن هيوم هيوم كان يقول
ان الضروره لا نجدها في التجربه ولذلك
اعتبرها عاده نفسيه اما كانت فيقول ان
هيوم كان يبحث في المكان الخطا نعم لن تجد
الضروره داخل الانطباعات الحسيه نفسها لان
التجربه لا تاتي منظمه من الخارج خارج بل
العقل هو الذي يمنحها النظام الذي يجعلها
تجربه انسانيه لكن الزمان والمكان ليس كل
شيء لان ترتيب الخبرات داخل زمان ومكان لا
يكفي لتفسير المعرفه العلميه نحن لا ندرك
الاشياء فقط بل نحكم عليها ايضا نقول ان
هذا سبب لذاك وان هذا الشيء واحد رغم تغير
اجزائه وان هذه الكميه اكبر من تلك وان
هذا الحدث مستحيل بينما ذاك ممكن من اين
تاتي هذه الاحكام
هنا يقدم كانت ما يسميه مقولات الفهم وهي
مجموعه من المفاهيم الاساسيه التي يعمل
بها العقل بصوره تلقائيه هذه المقولات
ليست مستخرجه من التجربه بل هي الادوات
التي يستخدمها العقل لتنظيم التجربه ومن
اشهرها السببيه والوحده والكثره والكليه
والجوهر والامكان والضروره
بعد ان بنى كانت مشروعه خطوه بعد خطوه
وبعد ان اوضح ان العقل لا يستقبل العالم
بصوره سلبيه بل ينظم الخبره من خلال
الزمان والمكان ومقولات الفهم بقي سؤال
واحد لا يمكن الهروب منه اذا كان كل ما
نعرفه يمر اولا عبر بنيه العقل فهل نعرف
العالم كما هو بالفعل ام اننا لا نعرف الا
الصوره التي ينتجها التفاعل بين الواقع
الخارجي وعقولنا
هذا السؤال هو النقطه التي جعلت فلسفه
كانت واحده من اكثر الفلسفات اثاره للجدل
في التاريخ لان الاجابه التي قدمها لم
ترضي العقلانيين ولم ترضي التجريبيين ولم
ترضي حتى كثيرا من الفلاسفه الذين جاؤوا
بعده لكنها في الوقت نفسه اصبحت نقطه
الانطلاق لكل الفلسفه الالمانيه الحديثه
كان يرى ان الخطا الاساسي عند الفلاسفه
السابقين هو انهم لم يميزوا بين نوعين
مختلفين تماما من الواقع
هناك الواقع كما يظهر لنا من خلال التجربه
وهناك الواقع كما هو في ذاته مستقلا عن
طريقه ادراكنا له وللتعبير عن هذا الفرق
استخدم مصطلحين اصبحا من اشهر المصطلحات
الفلسفيه الظواهر والشيء في ذاته الظاهره
ليست وهما وليست خيالا وليست خداعا للحواس
كما يظن بعض الناس عندما يسمعون الكلمه
لاول مره الظاهره عند كانت هي الشيء كما
يظهر للانسان بعد ان تمر المعطيات الحسيه
عبر الزمان والمكان ومقولات العقل بمعنى
اخر عندما تنظر الى شجره فان الشجره التي
تعرفها هي ظاهره عندما تسمع صوت الرعد
فالرعد الذي تدركه هو ظاهره عندما تمسك
حجرا او تقرا كتابا او تنظر الى السماء
فانت تتعامل دائما مع ظواهر اي مع العالم
كما اصبح قابلا للادراك الانساني اما
الشيء في ذاته فهو الشيء كما هو مستقل عن
اي تجربه بشريه
ليس كما يبدو لنا بل كما هو لو لم يكن
هناك انسان يدركه وهنا يطرح كانطي سؤالا
شديد الصعوبه هل يمكن ان نعرف هذا الشيء
اجابته كانت حاسمه لا وهذه ال لا ليست لان
الشيء في ذاته غير موجود بل لان كل معرفه
انسانيه تمر بالضروره عبر الشروط التي
يفرضها العقل لكي تعرف شيئا يجب ان يظهر
لك داخل الزمان والمكان ويخضع لمقولات
الفهم مثل السببيه والوحده والكم فاذا
حاولت ان تتحدث عن شيء خارج هذه الشروط
فانك لم تعد تتحدث عن معرفه بل عن مجرد
فكره لا يمكن التحقق منها قد يبدو هذا
الكلام مجرد تجريد فلسفي لكن نتائجه هائله
تخيل انك ترتدي نظاره ذات عدسات زرقاء منذ
لحظه ولادتك ولم تنزعها ابدا كل شيء ستراه
سيكون ممزوجا بدرجه من اللون الازرق الان
اسال نفسك هل تستطيع ان تعرف اللون
الحقيقي للاشياء اشياء المشكله ليست ان
الاشياء غير موجوده بل انك لا تستطيع ان
ترى اي شيء الا من خلال تلك العدسات لكن
كانت سيعترض فورا على هذا المثال اذا
فهمناه بصوره حرفيه لان الزمان والمكان
والمقولات ليست عدسات يمكن خلعها انها
الشروط التي تجعل الرؤيه نفسها ممكنه لو
خلعتها فلن ترى الواقع كما هو بل لن ترى
شيئا على الاطلاق ولهذا كان يقول ان سؤال
كيف يبدو العالم خارج الزمان والمكان؟
يشبه سؤالا مثل ما شكل المثلث الذي ليس له
ثلاثه اضلاع او ما لون الصوت؟ السؤال نفسه
غير مشروع لانه يطلب من العقل ان يعمل
خارج الشروط التي تجعله عقلا ومن هنا نفهم
لماذا سمى كتابه نقد العقل المحض لم يكن
يريد ان يهاجم العقل بل ان يحدد حدوده كان
مقتنعا بان العقل يقع في اخطاء ضخمه عندما
يحاول تجاوز مجال الخبره الممكنه فعندما
يبدا في السؤال عن بدايه الكون المطلقه او
عن طبيعه الله او عن خلود النفس او عن
العالم كما هو في ذاته فانه يحاول استخدام
ادوات صممت للتعامل مع الظواهر في مجال لا
تنطبق عليه هذه الادوات وهنا يقدم كانت
واحده من اكثر الافكار تاثيرا في تاريخ
الفلسفه وهي ان كثيرا من المشكلات
الميتافيزيقيه ليست ناتجه عن نقص
المعلومات بل عن سوء استخدام العقل خذ
مثالا بسيطا اذا سالت كم يبلغ طول هذه
الطاوله فهذا سؤال يمكن الاجابه عنه
بالتجربه واذا سالت ما سبب سقوط هذا الحجر
فهذا ايضا سؤال مشروع لان السببيه تنطبق
على الظواهر لكن اذا سالت ما سبب وجود
العالم كله فانك تحاول تطبيق مفهوم
السببيه خارج المجال الذي تعمل فيه
السببيه عند كانت تنظم الخبره الانسانيه
لكنها لا تمنحنا حق الحديث عن الاشياء
خارج الخبره ولهذا السبب دخل كانت في
مواجهه مع الميتافيزيقى التقليديه لم يقل
انها عديمه القيمه لكنه قال انها اخطات
عندما ظنت ان العقل يستطيع ان يعرف
موضوعات تتجاوز كل تجربه ممكنه ومن هنا
ظهرت ما سماه الاوهام المتعاليه للعقل
العقل بطبيعته لا يكتفي بالبحث عن اسباب
جزئيه بل يريد دائما الوصول الى السبب
النهائي اذا وجد سببا سال عن سبب هذا
السبب ثم عن سبب السبب الذي قبله وهكذا
الى ما لا نهايه هذه الرغبه طبيعيه لكنها
تتحول الى مشكله عندما يعتقد العقل انه
يستطيع فعلا الوصول الى نهايه السلسله
يضرب كانت مثالا شهيرا بما سماه التناقضات
العقليه يسال العقل هل للعالم بدايه في
الزمن ام انه ازلي اذا قلت ان للعالم
بدايه فسيسال ماذا كان قبل البدايه واذا
قلت انه ازلي فسيسال
كيف يمكن ان يمر عدد لانهائي من اللحظات
حتى نصل الى الحاضر؟ ثم ينتقل الى سؤال
اخر هل الكون مكون من اجزاء بسيطه لا
تنقسم ام ان كل جزء يمكن تقسيمه الى ما لا
نهايه؟ في كلت الحالتين يستطيع العقل ان
يقدم حج قويه لكنه يصل الى تناقضات لا
يستطيع حلها لماذا؟ لان السؤال نفسه
يتجاوز حدود الخبره الممكنه وهذا كان في
نظر كانت دليلا على ان المشكله مشكله ليست
في ضعف العقل بل في استخدامه خارج مجاله
المشروع لكن هنا قد يعترض احدهم قائلا اذا
كنا لا نعرف الا الظواهر فكيف عرف ان هناك
شيئا في ذاته اصلا؟ هذا الاعتراض اصبح
لاحقا واحدا من اشهر الانتقادات الموجهه
اليه لان كانت يقول ان الشيء في ذاته لا
يمكن معرفته لكنه في الوقت نفسه يتحدث عنه
باعتباره موجودا فكيف عرف بوجود جوده
بعد ان وصلنا الى قلب المشروع الكانتي
اصبح من الممكن ان نطرح السؤال الذي شغل
الفلاسفه طوال اكثر من قرنين هل انتصر
كانت على هيوم هل نجح فعلا في انقاذ
المعرفه العلميه من الشك الذي زراعه
الفيلسوف الاسكتلندي ام انه لم يفعل سوى
تغيير طريقه عرض المشكله بينما بقيت
الاسئله الاساسيه كما هي السؤال ليس بسيطا
لان كثيرا من الكتب تقدم العلاقه بين
الرجلين وكانها قصه لها نهايه واضحه هيوم
شك ثم جاء كانت ورد عليه وانتهى الامر لكن
عندما نقرا النصوص الاصليه وننظر الى
النقاش الفلسفي الذي استمر بعدهما نكتشف
ان الصوره اكثر تعقيدا بكثير في الحقيقه
لو لم تكن اجابه كانت مثيره للجدل لما
ظهرت بعده كل تلك المدارس الفلسفيه التي
حاولت تجاوز فلسفته او تعديلها او حتى
هدمها لنبدا اولا بما قبله كانت من هيوم
لان هذه النقطه كثيرا ما تنسى كانت لم
يرفض تحليل هيوم للخبره بل وافق على اهم
خطوه قام بها وافق على ان التجربه وحدها
لا تعطينا الضروره وافق على اننا لا
نستطيع ان نستخرج من مشاهده الاف الحالات
قانونا عاما ضروريا وافق على ان الحواس لا
تقدم لنا سوى ماده خام ولو توقف عند هذه
النقطه لكان مجرد تلميذ متاخر لهيوم لكن
كانت قال ان هيوم ارتكب خطا حاسما بعد ذلك
عندما اكتشف ان الضروره لا تاتي من
التجربه استنتج انها ليست سوى عاده نفسيه
اما كانت فقال ان هناك احتمالا ثالثا لم
يفكر فيه هيوم ماذا لو كانت الضروره لا
تاتي من العالم الخارجي ولا من التكرار بل
من البنيه التي يعمل بها العقل نفسه هذه
هي الفكره التي يقوم عليها الرد الكانطي
كله لنفترض انك تنظر الى شجره تهتز بسبب
الريح هيوم سيقول انك ترى فقط سلسله من
الانطباعات ثم تعتاد الربط بينها اما كانت
فيقول ان العقل منذ اللحظه الاولى ينظم
هذه الانطباعات وفق مفاهيم مثل الشيء
والسبب والزمان والمكان انت لا تضيف
السببيه بعد مئات التجارب بل لا تستطيع ان
تدرك الحدث نفسه الاطار سببي وهنا يبدو ان
كانت قد انقذ العلم لان قوانين الفيزياء
لم تعد مجرد عادات نفسيه بل اصبحت ممكنه
لان العقل الانساني ينظم التجربه بطريقه
تجعل البحث عن الاسباب امرا ضروريا لكن
هنا تبدا الاعتراضات اول اعتراض يقول ان
كانت لم يثبت ان العقل يمتلك هذه المقولات
بل افترض ذلك حتى ينقذ العلم هيوم كان
يبدا دائما بالسؤال اين الدليل ولو كان
حاضرا لربما سال كانط السؤال نفسه كيف
عرفت ان العقل يحتوي هذه البنيه القبليه
هل رايتها هل اختبرتها مباشره ام انك
افترضتها لانها تفسر نجاح الفيزياء بمعنى
اخر هل وقع كانط في النوع نفسه من
الاستدلال الذي انتقده هيوم هذا الاعتراض
لم يكن بسيط ولذلك ظل محورا للنقاش حتى
اليوم ثم ظهر اعتراض اخر اكثر عمقا اذا
كانت مقولات العقل تنطبق فقط على الظواهر
فمن اين جاءت فكره الشيء في ذاته كان يقول
اننا لا نستطيع معرفه الشيء في ذاته لكنه
يتحدث عنه باستمرار فكيف يمكن ان نعرف ان
هناك شيئا لا يمكن معرفته هذه المفارقه
دفعت بعض الفلاسفه الى القول ان مشروع
كانت يحمل تناقضا داخليا اما ان الشيء في
ذاته يمكن الحديث عنه وعندها لم يعد خارج
المعرفه واما انه خارج المعرفه تماما
وعندها لا يجوز حتى اثبات وجوده ولهذا
حاول فخته حذف فكره الشيء في ذاته بالكامل
بينما حاول هيجل تجاوزها بطريقه مختلفه
تماما لكن حتى لو تجاهلنا هذه الاعتراضات
بقي سؤال اخر هل انقذ كانت العلم فعلا؟ في
زمنه كان الجواب يبدو نعم لان الفيزياء
النيوتينيه كانت تبدو النموذج النهائي
للمعرفه العلميه كانت قوانين نيوتن تفسر
سقوط الاجسام وحركه الكواكب والمد والجزر
وحركه المقذوفات وكل ذلك بدقه مذهله كان
من الطبيعي ان يبحث كانت عن تفسير فلسفي
لهذا النجاح لكن بعد اكثر من قرن جاءت
نظريه نسبيه ثم جاءت ميكانيكا الكم واكتشف
العلماء ان حتى مفاهيم الزمان والمكان
التي اعتقد نيوتن انها مطلقه ليست كما
تصورها وهنا عاد السؤال اذا كانت بنيه
العقل ثابته كما يقول كانت فلماذا تغيرت
الصوره العلميه للعالم بهذا الشكل بعض
الباحثين راى ان هذا لا يضحض كانت لان
كانت لم يكن يتحدث عن نظريات الفيزياء
نفسها بل عن الشروط العامه التي تجعل اي
تجربه ممكنه لكن اخرين اعتبروا ان تطور
العلم كشف ان كثيرا مما ظنه كانت ضروريا
قد يكون بدوره قابلا للمراجعه وهكذا
استمرت المناقشه ومن المثير للاهتمام ان
الفيلسوف الذي اعاد احياء مشكله هيوم في
القرن العشرين لم يكن عدوا لكانت بل كان
معجبا به الى حد كبير انه كارل بوبر بوبر
وافق هيوم على ان الاستقراء لا يمكن
تبريره منطقيا وقال ان العلماء لا يثبتون
القوانين العامه مهما كثرت التجارب لان اي
تجربه جديده قد تكشف خطا النظريه ولهذا
اقترح معيارا جديدا للعلم النظريه العلميه
الجيده ليست التي يمكن اثباتها بل التي
يمكن اختبارها ومحاوله تكذيبها اذا نجت من
الاختبارات فاننا نقبلها مؤقتا لكننا لا
نزعم انها اصبحت حقيقه نهائيه لاحظ ما حدث
هنا هيوم هدم اليقين وكانت حاول اعاده
بنائه اما بوبر فقبل انهيار اليقين لكنه
قال ان العلم لا يحتاج الى يقين حتى يتقدم
وهكذا تغير السؤال مره اخرى لكن تاثير
هيوم لم يتوقف عند فلسفه العلم في علم
النفس بدا الباحثون يكتشفون ان كثيرا من
قرارات الانسان لا تصدر عن استدلال منطقي
واع بل عن عادات واستجابات تلقائيه
وانحيازات معرفيه وفي الاقتصاد السلوكي
بينت اعمال دانييل كانيمان وعامس تفرسكي
ان الانسان لا يتصرف دائما بوصفه كائنا
عقلانيا يحسب الاحتمالات بدقه بل يعتمد
على اختصارات ذهنيه تؤدي احيانا الى اخطاء
متكرره وعندما يقرا المرء هذه الابحاث
الحديثه يصعب الا يتذكر هيوم لان الرجل
الذي قال ان العاده تلعب دورا اساسيا في
التفكير الانساني كان يسبق عصره بقرون وفي
المقابل بقي بقي تاثير كانتي واضحا في
اتجاهات فلسفيه
تابع مع YouTLDR
حلّل فيديو آخر مع Pro
عالج فيديو جديدًا، وابحث في كل توقيت، وقارن المصادر، واحفظ النتيجة في مكتبتك.
More transcripts
Explore other videos transcribed with YouTLDR.

Opus 5 released! Is it better than Fable?
Mastra · English

Leilão de Embriões Nelore PO DNA Genética Aditiva
LANCE RURAL OFICIAL · Portuguese (Portugal, Brazil)

Leilão Peso Pesado Rima Agropecuária
LANCE RURAL OFICIAL · Portuguese (Portugal, Brazil)

النبي .. جبران خليل جبران .. إقرا بودانك
اقرا بودانك · Arabic

Leilão Internacional CIA
LANCE RURAL OFICIAL · Portuguese (Portugal, Brazil)

23° Mega Leilão Genética Aditiva - 1ª Etapa Fêmeas Nelore PO
LANCE RURAL OFICIAL · Portuguese (Portugal, Brazil)

كتاب رسالة الغفران
كتابي المنقذ · Arabic

Erkenntnistheorie 7 Immanuel Kant II
Dominik Finkelde - Hochschule f. Philosophie · English

Schwarze Löcher Erklärt - Von der Geburt bis zum Tod
Dinge Erklärt – Kurzgesagt · German

Como construir uma esfera de Dyson – A Megaestrutura Suprema
Em Poucas Palavras – Kurzgesagt · Portuguese (Portugal, Brazil)

[Histoire des sciences] L’histoire de l’intelligence artificielle (IA)
CEA · French

ميكانيكا الكم│1│الواقع الوهمى - كيف بدأ الكم ؟!
Sharafestien - شرفشتــاين (Sharafestien) · Arabic